الأحدث

رواية لافتة لدور السعودية في الأردن

حرصت السعودية منذ الساعات الأولى لما وُصف ب ” الانقلاب الفاشل” في الأردن الى  التواصل مع العاهل الأردن على أعلى المستويات، ونفت كل ما يشاع عن علاقتها القريبة أو البعيدة بما حصل ، وذهب بعض المقرّبين منها الى حد القول إن إستهداف الملك عبدالله الثاني قد يكون رسالة ضمنية لاستهداف ولي العهد السعودي ونائب رئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان نفسه، في سياق الحرب المستجدة على ” الممالك” العربية بعد وصول جو بايدن الى الرئاسة الأميركية، مؤكدا أن التاريخ الحديث للعلاقات الاردنية السعودية لم يشهد أي تدخل مباشرة من أي منهما في شؤون الأخرى ، بل على العكس، كان تعاونا مستمرا في معظم المراحل العربية الحاسمة.  

جاءت هذه المواقف السعودية وما أعقبها من زيارة قام بها وزير الخارجية فيصل بن فرحان على رأس وفد سعودي، الى عمّان، ردا على الأخبار والشائعات التي تسرّبت كالنار في الهشيم، موجّهة أحد أبرز الإتهامات الى الرياض خلف ما باتت تُعرف ب ” قضية الأمير حمزة”، وتأكيدا لوقوف الرياض بالكامل الى جانب الملك الأردني.

في هذا السياق يُمكن رصد المعلومات التالية من أوساط رفيعة المستوى لها علاقة بالطرفين الأردني والسعودية:

·     إن السعودية هي التي سلّمت باسم العوض الله  والشريف الحسن بن زايد الى عمّان، وجرى الاتفاق على ذلك في خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك عبدالله الثاني الى الرياض ولقائه بكبار المسؤولين وخصوصا ولي العهد. ومن المعروف أن عوض الله هو الشخصية الأكثر مثارا للجدل في هذه القضية كونه رئيسا سابقا للديوان الملكي الأردني  ووزيرا  سابقا وأحد ابرز مخططي الأقتصاد قبل أن تُشن عليه في الأردن حملة واسعة ليس بسبب أوضاع البلاد فقط وانما لضربه زوجته قبل طلاقه منها، وقد إرتبط  العوض الله ذو العلاقات القوية بأميركا بعدها بعلاقات وطيدة مع السعودية التي منحته جنسيتها وصار له دور مهم في الخطط الأقتصادية هناك وبينها قضية خصخصة آرامكو وغيرها، نظرا لدراسته الأكاديمية المهمة في هذا المجال في بريطانيا، وخبرته الواسعة، وشبكة علاقاته في الأقليم والغرب.

·     ان إتصالا هاتفيا رصدته الاستخبارات الأردنية، بين العوض الله وياسر المجالي رئيس مكتب الأمير حمزة، كان سبب تفاقم الشكوك حوله، خصوصا أنه قال كلاما عاليا حول ما يجري في الأردن وبينه أن ” هذه الحكومة زبالة ويجب وضع حد لما يجري”. فهل حصل اعتقاله في الأردن أم في السعودية؟ ذلك أن بيان الحكومة الأردنية لم يعط أي تفاصيل .

·     وحين تُسأل هذه الأوساط القريبة من الأردن والسعودية عن سبب زيارة وزير الخارجية السعودية الى عمّان ومطالبته بإطلاق سراح العوض الله اذا كانت الرياض هي التي سلّمته، تقول :” لم يطالب فيصل بن فرحان بأي شيء يتعلق بالعوض الله، وإنما ذهب الى عمّان ناقلا رسالة تضامن من القيادة السعودية للوقوف الى جانب الأردن، ولو كان الأمر يتعلق بقضية موقوف حتى ولو كان من وزن العوض الله، فكان ينبغي إرسال شخصية أخرى لها علاقة بالاستخبارات  وليس وزير الخارجية ” . كما أن العوض الله المولود في القدس أو عمّان ( ليس معروفا تماما) ليس له أي امتداد عشائري في الأردن، ما يعني أن تأثيره الداخلي ضئيا او معدوما.

·     إن اعادة هيكلة الأستخبارات السعودية وسعي الأمير محمد بن سلمان لتعزيز وضعه الأمني وتأسيس قوات تُشبه الى حد ما الحرس الثوري الإيراني، يعتمد في جزء منه الى الاستخبارات الأردنية التي تدعم وتدرب وتنسق مع نظيرتها السعودية بشكل دائم ودقيق. ذلك أن ولي العهد السعودي ومنذ احداثه تغييرات جذرية كبيرة في الداخل اجتماعيا واقتصاديا ودينيا وتربويا رفع شعارا واضحا ضد الاسلاميين يقول :” سندمّرهم” وهذا احتاج الى عمل أمني دقيق في الداخل وبالتعاون مع عدد من الخبرات وبينها أو في مقدمها الخبرات الاستخبارية الأردنية.

·     ليس للسعودية أي علاقة بالملكة نور والدة الأمير حمزة، بل على العكس تماما فهي تعيب على الملكة أنتقادها الدائم للرياض ولولي العهد خصوصا بعد مقتل جمال الخاشقجي ، ومن يقرأ تغريداتها يعرف تماما أين تقف.

·     ما يحصل في الاردن يُشكل خطرا على السعودية خلافا لكل ما قيل، ذلك أنه لو نجح يعني تعزيز سلطة الأخوان المسلمين ذوي النفوذ بين العشائر المرتبطة عبر الحدود الأردنية السعودية عائليا وعشائريا ومصلحيا، كما أنه يُسهّل فكرة اسقاط ملكٍ بالقوة أو بإنقلاب، ما يعني توجيه الأنظار لاحقا الى السعودية.

ومن هذا المنطلق ثمة شكوك في أن واشنطن كانت ستدعم الأنقلاب لو نجح في الأدرن كما فعلت مع الرئيسين المصري  حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي، حتى ولو أنهما كانا حليفيها. ولا شك أن بنيامين نتنياهو كان سيُرحّب مباشرة وعبر لوبياته اليهودية-الأميركية  بالإطاحة بعبدالله الثاني، نظرا لسوء علاقته بالملك الأردني. فالرئيس بايدن الذي سارع الى دعم موقف الملك الأردني والقول أن “له صديقا في أميركا”، يمرر رسائل كثيرة ضد الملكيات منذ وصوله الى السلطة ويساهم في زعزعة أوضاع حلفائه عبر هذه التصريحات ومن خلال السعي للعودة الى الاتفاق النووي بلا شروط جدية، وفق ما تقول الأوساط نفسها.

·     تحمل هذه الأوساط المقرّبة من السعودية والاردن على صحيفة ال ” واشنطن بوست” وتقول أن تسريباتها متعمّدة وان لها موقفا من الأمير محمد منذ فترة غير قصيرة وتفاقم بعد مقتل الخاشقجي الذي كان يكتب فيها، وتستغرب أن مراسلتي الصحيفة في بيروت  وتل أبيب هما اللتان  تعتمدان نشر كل هذه الأخبار. وتقول الأوساط  نفسها  إن الاستخبارات السعودية والأردنية تجري حاليا مسحا دقيقا لمعرفة مصادر التسريبات وارتباط بعض الإعلامين بجهات خارجية، وتقول إن التفكير يذهب الى إسرائيل ودولة خليجية وتركيا.

·     إن السعودية شجعت أنهاء الخلاف داخل العائلة الهاشمية وعدم توسعه وعرضت المساهمة في تقريب ذات البين ودعم أي جهود لاصلاح ما حصل  واعادة الاستقرار .

تدفع هذه الرواية للأوساط المقرّبة من السعودية والأردن الى طرح سؤال جديد : هل أن السعودية شجعت فعلا الإنقلاب، أم انها بالعكس تماما ساهمت بكشفه وبدعم الملك عبدالله الثاني على إجهاضه ( اذا كان ثمة  محاولة فعلية للانقلاب) كي لا يتكرر في أماكن أخرى وحرصا على استقرار الأردن؟ وهل هي التي اعتقلت العوض الله والشريف الحسن وأرسلتهما الى عمّان؟

هي رواية تستحق البحث، حتى ولو أن روايات أخرى  حتى الآن ناقضتها.

مقال لسامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى