الأحدث

صندوق النقد الدولي في الاجتماع الأوّل: حرّروا سعر الصرف

كتبت ملاك عقيل : أعطى غياب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن الاجتماع الرسمي الأول بين الفريق اللبناني وفريق صندوق النقد الدولي مؤشّراً سلبياً حول التضامنٍ الرسمي، الذي تحتاجه الحكومة بقوّة، مع الأخذ بعين الاعتبار استبعاد سلامة عن مشاورات وضع خطة الحكومة الإصلاحية.

حضور سلامة ليس إلزاميًا، وفريقه الاستشاري يدرك جيدًا المطلوب منه في مفاوضات تعتبر مصيرية في مسار الدولة المنكوبة بسياسات انتفاعية، اعتمدت منطق الدكاكين على مدى عقود، ما دفع بها الى قعر القعر وعرّاها بالكامل أمام المجتمع الدولي. مع ذلك، سيصعب جدًا حجب الهوّة بين أعضاء الفريق اللبناني الجالس قبالة ممثلي صندوق النقد.

على بعد ساعات من بدء الجولة الأولى من التفاوض التاريخي تقصّد رئيس الحكومة حسان دياب إحراج بعض القوى السياسية الداعمة لها… “بالمبدأ”. ذكّر بالإجماع على خطة الحكومة للإصلاح المالي، وأنعش ذاكرة رياض سلامة بأنّ وحدات الدولة، ومن بينها مصرف لبنان، هي جزء من الحكومة، ‏وعليها أن تعمل على إنجاح هذه الخطة. و”لَطَش” بشكل مباشر، الوزير جبران باسيل، الذي  لم يقصّر في مهاجمة الخطة على طاولة بعبدا، مع العلم أنّ “المُنتج” الحكومي سيكون مادة نقاش مُسهب في مجلس النواب قريباً، والحلفاء قد يتحوّلون الى الجلّاد الحقيقي للخطة.

“الموقف الموحّد” للحكومة اللبنانية في جولات التفاوض مع صندوق النقد لم يَنضج بعد، والأرجح أنّ ذلك سيكون صعبًا. وقد سجّلت في هذا السياق “ملاحظات” حادّة من جانب دبلوماسيين ومسؤولين دوليين تحدّثوا بشيء من الاندهاش “عن تمرّد قوى سياسية أو موظفين مهما بلغت أهميتهم على خطة أعدّتها حكومة وهي رأس السلطة التنفيذية التي تحدّد سياسات الدولة”.

هو واقع بات يُشكّل هاجِساً للحكومة من تيقّن بعض المؤسّسات الدولية، من ضمنها صندوق النقد، بأنّها لا تجد في لبنان الجدّية المطلوبة. وقد ألمَحَ رئيس الحكومة الى ذلك مؤخّراً بتأكيده أنّ “الموقف الموحّد ضروري للوصول إلى برنامج مقبول مع الصندوق لأنّ الانقسامات قد تفشّل المسار الحالي”.
يضاف إلى ذلك دعوة “مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان”، أوّل أمس، إلى إشراك جميع المعنيين، لا سيما الشعب اللبناني، في المشاورات حول خطة الحكومة الاقتصادية.

ما يقوّي موقف السلطة أن “لا بدائل جدّية بعد”. لا حاكم مصرف لبنان أفرَج عن “كشف الحساب” المطلوب منه بانتظار انتهاء الشركة المكلّفة بالتدقيق في الحسابات من عملها . ولا جمعية المصارف قدّمت خطتها التي وعدت بها الحكومة. لذلك، بدا من الطبيعي الحديث بالتزامن مع بدء الجولة الأولى من التفاوض عن فوارق في الأرقام بين أعضاء الفريق الواحد.

لكن مصادر موثوقة تؤكّد لـ”اساس” أنّ “أوّل اجتماع عبر تقنية الفيديو كونفرس دام نحو ساعتين. وتركّز الحديث على برنامج العمل ووتيرته، مع التركيز على تثبيت الأرقام للوصول إلى قناعة مشتركة، لتبدأ بعدها المباحثات التي ستُدخل المجتمعين أكثر فأكثر في التفاصيل”، مشيرة إلى أنّنا “لا زلنا في مرحلة حسن نيّة كاملة من الصندوق، كوننا في مرحلة تقنية بحت. أما الشروط، فتأتي في مرحلة لاحقة”.

تضيف المصادر أن “الحديث عن فوارق في الأرقام بين فريق الحكومة ومصرف لبنان لم ينعكس بالتأكيد في الجلسة الأولى. هو تقدير على الأكثر، كون التباين في شأن الفوارق قائماً أصلاً”.

عملياً، لا يحتاج أعضاء صندوق النقد إلى “دليل” ملموس على التباعد القائم بين الحكومة والقطاع المصرفي. فالصندوق الذي يتابع بدقّة مجريات التطوّرات السياسية والمالية والاقتصادية، وبعد التواصل مع حاكم مصرف لبنان، بات في صورة اعتراض الحاكم على خطّة الحكومة، ومن خلفه القطاع المصرفي برمّته.

وتوضح المصادر في هذا السياق أنّ “صندوق النقد ينتظر سماع رأي مصرف لبنان بأرقام خطة يرفضها”. وتتابع: “هو يقول إنه ليس لديه خسائر وينفي وجود فجوات في ميزانياته الناتجة عن هذه الخسائر المتراكمة ويصنّفها بأنّها خسائر مدّورة بأرباح مستقبلية، وإنّ الاحتياطي من الدولار موجود. لذا عليه أن يثبّت ذلك أو أن يقدّم طرحاً بديلاً، وبالتالي لا صحّة إطلاقاً للحديث عن عدم موافقة الصندوق على خطة الحكومة في شأن القطاع المصرفي”.

ووفق المعلومات، هناك تعديلات حتمية وكبيرة ستطرأ على الخطة، وهي تعديلات أقرب الى طلب ضمانات على مستوى حجم  تخفيض الإنفاق، وخفض الدين، وخطة الكهرباء، وخفض الأكلاف، والبدء بجملة إصلاحات ملحّة…

وتؤكد المعلومات أن الجلسة شهدت توقّف أعضاء الوفد أمام معضلة وجود أربعة أسعار لصرف الدولار، وتنقّل البنك المركزي بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، عبر تعاميم تصدر عنه مباشرة، على اعتبار أنّ فلسفة الصندوق لا تتقبّل هكذا واقع. وتبيّن وجود موقف مبدئي رافض لهذا، كونه يشكّل كارثة على الاقتصاد. وقد حدّد صندوق النقد موقفه، لكن من دون طلب صريح، وهو تحرير سعر الصرف، متحدّثاً عن “قابلية لوجود سعر صرف عائم أو متحرّك، أو ثابت ويتحرّك ضمن هامش معيّن”.

هكذا يستعد فريق الحكومة لجولة التفاوض الثانية. فيما تحذّر أوساطه من أنّ “تصلّب المصارف قد يعرقل مسار التفاوض، مع تسجيل تأخيرها المتمادي في تقديم خطتها”. وتتساءل الأوساط: “ألا يدرك القطاع المصرفي أنّه سيُسحَق وسيكون الخاسر الأكبر في حال لم يكتمل “الديل” مع صندوق النقد؟”.

وتوضح الأوساط عينها أنّ الخطة حصدت ثناءً دولياً واضحاً، حتّى إنّ وزارة المال الفرنسية اتصلت بصندوق النقد مؤكّدة أنّ الخطة اللبنانية جدّية، ووصفها الاتحاد الأوروبي بأنّها “متينة وشاملة، وهي الطريقة الفضلى لطلب الدعم من صندوق النقد”، مشيرة إلى أنّ “المصارف في حالة نكران للخسائر حين تعتبر أنّ تحميل جزء من الخسائر لرساميل القطاع المصرفي هو نسفٌ له، كما أنّ من واجبها إعداد خطة كونها من حاملي السندات، مع تسجيل “تطفيشها” لأول مستشار مالي Houlihan Lokey وهو مصرف استثمار أميركي وشركة خدمات مالية للمساعدة في التحدّث مع الدائنين الاجانب”.

وتجزم الاوساط في المقابل بأنّ تشبّث المصارف بواقع أن لا خسارات على الدين، وهناك فقط  جدولة وهندسة، قد “يطفّش” أيضاً صندوق النقد، وسيتركنا لقدرنا “الفنزويلي” : “ليس هناك مؤسسة دولية واحدة في العالم تقبل بأنّ قطاعاً مصرفياً خاسراً ينكر هذه الخسارة، ويحاول التعويض من مصادر أخرى. فإذا استثمرت المصارف أموالها وخسِرت ما علاقة المودعين؟”، مؤكّدة أن “لا أحد سيقترب من مصرف لم يخسر رأسماله، والمصرف غير الخاسر سيُرفع على الأكتاف ولن يُمسّ برأسماله”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق