الأحدث

في السنوية الأولى لثورة 17 تشرين .. أين أخطأت الثورة وأين أصابت

كنب محمد شمس الدين 

انفجرت تظاهرة 17 تشرين الأول السنة الماضية على إثر الأزمة الاقتصادية التي أشعلت شرارتها نيّة الحكومة فرض ضريبة على تطبيق واتساب. وبعد إلغاء الضريبة لاحقاً، استمرت المظاهرات وأدّت إلى سقوط حكومة الحريري حينها، ودخلت البلاد بدوامة من الاعتصامات المستمرة لعدة أشهر على وقع اشتداد الأزمة الاقتصادية والنقدية.

تغيب انتفاضة 17 تشرين اليوم رغم أنّه لم يحصل أي تغيير فعلي في أركان النظام اللبناني ولا حتى تم حلّ الأزمة الاقتصادية، فأين الثوار من المشهد السياسي اليوم ؟

الناشط محمد خليل يتحفظ على تسمية 17 تشرين بالثورة، معتبراً أنَّ الثورة انتهت فعلياً، مشيراً إلى عدة عوامل أهمها التأخر بتأطير التحركات تحت مظلّة مطلبية واحدة قبل فقدان زخم الشارع، عزّزها  طلب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بخروج جمهوره من الشارع، وهذا ما شكّل نقطة التحوّل.

ويضيف خليل أنَّ التحرّكات التي تحصل اليوم هي من مجموعات انبثقت عن 17 تشرين ولكن تأثيرها شبه معدوم، لافتاً أنَّ هناك أحزاب ومنظمات غير حكومية ذات إمكانيات كبيرة ومكنة إعلامية ضخمة، ركبت موجة الثورة لتصفية حسابات سياسية والتصويب على سلاح المقاومة ولصق كل بلاء البلاد به. ويعتب خليل على الإعلام ويصفه بالتابع والمسيّس حيث أنّه غطى تحركات أصحاب الأجندات بينما أهمل التحركات المطلبية مثل التحركات أمام المصرف المركزي وأوجيرو والمرفأ وغيرها. ويرفض خليل تحميل الثورة أي مسؤولية للوضع الاقتصادي الحالي، لافتاً أنَّ الانهيار كان قادماً لا محالة، وما تخذيرات المحّللين الاقتصاديين قبل سنوات إلا دليلٌ على ذلك، فيما ” قد تكون الثورة سرّعت المحتوم لا أكثر”.

الناشط  في حركة “لِحَقّي” أدهم الحسنية يعتبر أنَّ 17 تشرين حققت أهدافاً مهمة عبر وجودها فقط، وهي لم تكن يوماً ذات هدفٍ واضح، بل هي حالة غضب شعبية عفوية من المنظومة السياسية وإدارتها للبلاد وإيصالها إلى الانهيار الاقتصادي والمالي. وهذا الوجود نقل الوعي بالخطاب عند الشعب اللبناني من الإنقسام السياسي والطائفي التقليدي إلى خطاب حقوقي.

حتى أنَّ الأحزاب التقليدية بدأت تنتهج خطاب الحقوق والواجبات ومحاربة الفساد والتغيير للمحافظة على شعبيتها، كما أنَّ الانتفاضة ألقت الضوء على القرى واختلال الإنماء بينها وبين المدن وأهمية إنماء الأطراف. ويعتبر الحسنية أنَّ جعل خطاب الدولة المدنية العادلة والرعائية “ماينستريم” هو انتصارٌ كبير ل 17 تشرين، رافضاً تحميل الانتفاضة أي دورٍ بتدهور الوضع الاقتصادي معتبراً أنها أتت كنتيجة له وليست مسبباً له، مذكراً بالأزمات قبل 17 تشرين من المحروقات والخبز والمواد الغذائية والدولار كلها بدأت قبل الانتفاضة.

ويردف الحسنية أنَّ الاحتجاج والإضراب وإغلاق الطرقات بشكله السابق قد قام بدوره، وهو لا يقدم اليوم أي جديد، لافتاً أنَّ الأولوية اليوم هي للتنظيم السياسي للجبهات المعارضة التي ممكن أن ترسم المرحلة المقبلة عند الاستحقاقات الديمقراطية من انتخابات بلدية ونيابية ونقابية وطلابية وغيرها.

المحامية ساندريلا مرهج ترى أنَّ ثورة 17 تشرين نجحت بإظهار إرادة الشعب الرافض للنظام القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية، ووجوب تغيير المنظومة السياسية القائمة، معتبرةً أنَّ غيابها عن المشهد اليوم سببه حالة الإحباط المجتمعي عند الشعب اللبناني، الذي أًصبح همّه تأمين الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب وطبابة، هذا عدا عن موجة هجرة الشباب والكفاءات. وتضيف أنّه بينما ما تزال هناك مجموعات للمجتمع المدني تقوم بتحركات عدة وليس بالضرورة بالشارع، يعيش بعض أصحاب الأجندات، الذين كانوا ممن يحركون بعض المنتفضين، حالة ترقبٍ للوضع بانتظار انقشاع الرؤية.

أمَّا عن دور الثورة بالأزمة الاقتصادية، ترى مرهج أنّها فعلياً سرّعت في سقوط  قناع الوهم الذي خلقته السلطة؛ فليست الثورة من انتهج سياسات الاقتصاد الريعي  ونشرت الفساد وهدرت المال العام وسرقت ثروات الوطن، كما أنّها ليست مسؤولة عن عدم تطبيق اللامركزية الإدارية والفشل بوضع مشاريع التنمية المستدامة وتهميش العديد من القطاعات مثل الزراعة والصناعة والقطاعات المبنية على التكنولوجيا. الثورة فقط سرّعت من كشف مدى هشاشة النظام اللبناني القائم من الناحية المالية والنقدية والاقتصادية.

وترى مرهج أنَّ الثورة تتخطى الأشخاص، لذلك لا ترى في عودة الحريري إلى السلطة نهايةً للثورة، فهي قائمة ضد النهج المتبع وتغييره، مضيفة “إن اعتمد الحريري نفس النهج السياسي والاقتصادي السابق فهو قد يؤجج الشارع مجدداً، تحديداً إن كان الهدف إقصاء أفرقاء من السلطة دون أخرين، أمّا اذا شكّل حكومة اختصاصيين فهذا نصر للثورة وانتفاضة الشعب، لافتة أنَّ الحل الأفضل للبلد برأيها هو حكومة تكنو سياسية.

يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية  ميخائيل عوض أنَّ الثورة تغيب بالشكل فقط بينما فعلياً كل ما تبع 17 تشرين هو موسومٌ في سماتها، فقد انكشف عسْف النظام اللبناني وحجم فساده وإخفاقه، والثورة تحكم اليوم كل ما يجري على الساحة حتى من ناحية التدخل الدولي، فهي أربكت الطبقة السياسية التي لم تستطع أنّ تُعيد إنتاج نفسها عبر حكومات الوحدة الوطنية أو لم الشمل.

ويتابع عوض أنَّ الثورة اليوم في حالة اعادة هيكلة لقواها الثورية؛ ” وهي وإن إختُرقت من بعض مجموعات المنظمات غير الحكومية والأحزاب، ولكنها ستعود أعنف وأقوى من قبل، وستكون أكثر شمولاً وتنظيماً”، لأنَّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ما زالت قائمة ولا يظهر لها حلولٌ بالأفق، ولن تستكين الثورة إلا بعد تحقيق مطلبها بحكومة انتقالية ذات صلاحياتٍ موسعة تنقل البلد إلى الدولة المدنية.

ويرفض عوض تحميل 17 تشرين مسؤولية الانهيار الحاصل، معتبراً أنّها كانت نتيجة له وليست مسبباً، وإن إجراءات المصارف بتقنين سحب الدولار بدأت قبل الثورة بأشهر، ولذلك حاولت الدولة تغطية العجز عبر فرض ضريبةٍ على الواتساب، الأمر الذي فجّر الشارع.

ويستبعد عوض أن يُكلّف سعد الحريري لرئاسة الحكومة، تحديداً إذا كان التكليف مبنيٌ على الخطة الفرنسية التي تُقصي أفرقاء أساسيين بالبلد من الحكم؛ أما إذا كُلف وشكّل على هذا المبدأ فهذا معناه أن الطبقة السياسية ساومت على رأسها على حساب السيادة الوطنية، ووضعت لبنان فعلياً تحت الانتداب الفرنسي، الأمر الذي يعني حتماً سقوطها  وتفجير انتفاضات أكبر وأكثر تأثيراً من 17 تشرين.

سنةٌ مرّت من تاريخ الوطن، انتفض فيها الشعب على المنظومة الحاكمة، التي لا زالت تتفاوض من منطلق المحاصصة والتوازنات، بدل أن تكون تضع حقوق الناس على سلم أولوياتها. ورغم احتواء انتفاضة 17 تشرين على العديد من “المركمجين” على ظهر المطالب المحقة، إلا أنَّ الصادقين فيها يبقون شعاع نورٍ في بلدٍ يتجه نحو “جهنم”  على أمل أن يستطيعوا الرسو بالوطن على شاطئ الدولة المدنية.

المصدر: موقع أحوال ميديا

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق