تقارير

أخرجوا من مدينتي

كتب صبحي منذر ياغي : أخرجوا من مدينتي..

كانت مدينتي تسمى “مدينة الشمس”،ومدينة الالهة ، كانت عروساً تنتظر الشتاء فيلبسها الثلج رداءه الابيض، وفي الربيع توشح شعرها بزهر اللوز والمشمش والدراق والاقحوان والبنفسج ، كانت مدينتي جارة الصيف فكم من مرة نزل قمر الصيف الى دارها وكرومها وبساتينها ورقص مع الساهرين والحالمين ، كانت مدينتي لا تعرف النوم و لها مع السهر حكايات ومع مهرجاناتها الدولية الاساطير وعندما تنام تغمض عينيها مطمئنة في أحضان سهل البقاع، بعد أن تودعها الشمس كل غروب وترمي على سهلها امنيات برتقالية تحملها السنونو التي تستوطن المدينة كل ربيع .. تسكنها عائلات من كل الطوائف، تلتقي دوماً على الحب وفي مواسم الفرح ، وتتآخى وتتضامن في النكبات والمآسي، كانت مدينتي تسهر كل صيف على أنغام فيروز، وآهات ام كلثوم ، ومواويل وديع الصافي واغنيات نصري شمس الدين… كانت أصوات مأذنها ترندح مع أصوات اجراس كنائسها، وكان رمضان في مدينتي جميل،والميلاد رائع، والأضحى شجي، والفصح قيامة وانتصار…كانت مدينتي أم الدنيا يطب فيها الكأس في منتزهات ومقاهي رأس العين مع القصبة والصفيحة والتبولة والكبة النية.. وصوت فيروز .. وكان نهر رأس العين هادراً ، والبياضة نقية ، والمرجة الخضراء بهية يفترشها الزوار من كل انحاء الارض ، وكانت القلعة تضج بالحب والسهر والفرح وتمتلىء بمواويل الارض وتراث العالم …في كل حي ذكرى ، في مار جرجس السكينة والهدوء، وفي البربارة صوت الالهة والتاريخ ، وفي الشميس العفوية والطيبة والالفة ، وفي الريش الاصالة والرجولة والحب، وفي حي الصلح زئير الرجال وأرجلهم (تخبط) الارض بدبكة رجولية، وفي النبي انعام عفوية وصبحيات شعبية، وفي حي النهر (الجار للجار ولو جار ) وفي غفرة سهرات تحت عرائش السطوح والنجوم ترمي النور على الساهرين ، وفي الشيخ حبيب لقاءات الايمان والعفوية … وفي البساتين عبق الزهر ، وعرق الزراعين المبارك وحب الارض والاصالة ، في كل حي تجد طيبة بعلبكية اصيلة… وتجد الاثارات من حجر الحبلى في حي الواد ، الى قبة السعدين ، ومغاور الشيخ عبدالله ،وقبة دورس ، ومحطة القطار …ومغر الطحين ..
كانت الشمس تغسل وجه مدينتي كل صباح بماء النور، ويعطرها الضوء بعبق الفرح ، وهي المغناج التي أنجبت الكتاب والشعراء والمبدعين فهذا الامام الاوزاعي ومعه قسطا بن لوقا، وذاك الشاعر خليل مطران ، والصحافي يوسف فضل الله سلامة ، والمؤرخ البعلبكي مخائيل الوف، وهذا الاديب لطفي حيدر والشعراء طلال حيدر ، وجودت حيدر… وعاطف ياغي وحمزة الطفيلي ونجيب جمال الدين ، هذا عبد الحليم كركلا يملأ العالم رقصاً، وهذا الرسام رفيق شرف، ومعه من أكمل درب الرسم من يحيى ياغي ومازن الرفاعي، ورضا ياغي ، ومحي الدين الجبة ومحمد الحريري ، وخولة الطفيلي…. وتضج مدينتي بغيرهم ممن عانقوا الحرف وراقصوا الريشة والوتر ، وممن غنوا للفرح والحب من المطربين دريد عواضة وسمير ياغي وعلي حليحل ….كانت مدينتي ام الدنيا قبل أن يجتاحها الطارئون وشذاذ الافاق ، قبل أن يسرقوا نورها ، ويسرقوا الفرح والبياض ويصير سوادهم في كل مكان …

أخرجوا من مدينتي، من أذن لكم أن تقطفوا جنى سنابلها، وتصادروا الهواء؟ من فتح لكم باب الطريق فدخلتم.. فصار التراب أسود، والوقت أسود، والغناء أسود… وصارت مدينتي تنام على وسادة الدمع ، و سجينة في كهوف الحزن والبكاء.. اخرجوا من مدينتي لا تلمسوا حجارة معابدها و(قامات أعمدتها) فهي لنا، وتحت ترابها يرقد أجدادنا وكبارنا …أخرجوا من مدينتي أيها الطارئون، ، لا تلمسوا المطر والهواء .. لا تسرقوا فرحنا. أخرجوا يا أعداء الشمس.. قبل أن تلفظكم ثورة الضوء والنور..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق