تقارير

الانهيار في لبنان حوّل الطعام إلى رفاهية… كل قضمة بألفي ليرة

كتبت نغم شرف : “الحياة تغيّرت بطريقة لا يمكنني أن أجد كلمات لوصفها، لم يحدث التغيير بين ليلة وضحاها، لم يأت من ناحية واحدة فقط. كنّا نشاهده يومياً من خلال أحداث عدّة، وبالتالي من المفترض أن أتقبّله، لكن من ناحية المشاعر المرتبطة بكل هذه الوقائع، أشعر أنني استيقظت في يوم من الأيام ولم أجد العالم الذي كنت أعيش فيه، وبأسلوب غير منطقي، لا زلت أبحث عنه”.

كانت لينا (28 عاماً) قبل العام 2020، تملك حياة طبيعية، تعيشها بين بيروت والجنوب، وظيفة ثابتة تؤمّن لها مسكنها ومأكلها، وتسعى، من مردودها المادي الذي كانت قادرة على توفير جزء منه، لإكمال دراساتها العليا في مجال علوم الحياة. كل هذه الخطط انتهت مع الانهيار الاقتصادي الشامل في لبنان: “حسناً، الانهيار حلّ على الجميع وليس انهياري الخاص، بإمكاني التأقلم مع عدم قدرتي على الخروج من المنزل بسبب الوباء، عدم التبذير في السهرات والمشاوير، بإمكاني حتى تقبّل عدم إكمال دراستي، سأعتبر أن هذا الطموح ليس من أساسيات الحياة، على الرغم من أنه سيؤمّن لي مستقبلاً أحلم به من كل النواحي، لكن ما لا يمكنني تقبّله هو عدم قدرتي، أنا والجميع، على شراء احتياجاتنا الأساسية، وتحديداً الطعام، إذ أنني غيرت كل حميتي الغذائية بناءً على الانهيار الاقتصادي”.

ساعة الحساب

خلال الأسبوع الماضي وصل سعر صرف الدولار إلى 9,400 ليرة، وبالتالي بدأت أسعار المواد الغذائية بالارتفاع مع كل شيء آخر. كلّما ضعفت قيمة العملة اللبنانية أمام الدولار، يبدأ أصحاب المحال برفع الأسعار. يقف الناس أمام المنتج، يقرأون سعراً محدّداً، حين يأتي وقت المحاسبة يتفاجؤون بأن السعر ليس نفسه. وهنا تبدأ العاملة بشرح ما حصل: “طلع سعر الدولار اليوم، فغيّرنا الأسعار. أنا ما خصّني”. وطبعاً، هنا تبدأ المناوشات: بعض الزبائن يفرضون على المؤسسة أن تبيعهم المنتج بحسب السعر المدوّن، والبعض الآخر يتخلّى عن الغرض. في إحدى المرّات قام أحد الآباء بالتخلّي عن السكاكر التي كان سيشتريها لأولاده، ليُبقي على أكياس الرز والسكّر، وفي مرّة أخرى طلبت المرأة من المحاسبة أن تتوقّف عن “دق” أغراضها حين تصل فاتورتها إلى الـ 300 ألف ليرة لبنانية، وذلك بعد أن كانت قسّمت احتياجاتها الغذائية من الأهم إلى الأقل أهمية، حين وصل حسابها إلى الـ 300 ألف، اضطرّت المرأة لترك أكثر من نصف مشترياتها في السلّة، لتحمل القليل الذي استطاعت شراءه، وتخرج من المتجر والغضب ظاهر على وجهها.

في إحدى التعاونيات، عقدتُ اتفاقاً سرياً مع الموظّفين، حين أقصد المتجر لشراء احتياجات الأسبوع يعطونني الـ “قسيمة- coupon” التي يحظون بها من مؤسّستهم، لأستخدمها، وبالمقابل أعطيهم السيولة النقدية التي يحتاجونها لأمور أخرى، مثل شراء الأدوية أو التنقّل. في إحدى المرات قال لي الموظّف: “يوم أمس وصلتني فاتورة الكهرباء، أرجوك أن تشتري مني قسيمتين بدل الواحدة، وسأساعدك بالحصول على أفضل المواد الغذائية”، وفعلاً هذا ما حدث، واكتشفت حينها أسرار تخبئة اللحوم والفاكهة والخضار التي لا تعرض أمام الجميع، إذ صرت أحظى بها وبسعر أقل من تلك المتاحة أمام الجميع. وهكذا بدأت الحرب السرية بيني وبين الموظّفين ضد المؤسسة التي تنهب الناس بطعامهم، عبر تحديدها الأسعار على ذوقها لأنها لا تخضع للرقابة، مثلها مثل أغلب المؤسّسات التي تستغل الأزمة بهدف تحقيق الربح السريع. نقسّم أنا والموظّفين عملية بيع وشراء “القسيمة”، كل أسبوع يكون دور أحدهم، وذلك حسب الحاجة والضرورة والعرض والطلب: أسبوع للحوم وآخر للخضار والفاكهة، وفي أغلب الأحيان يتم مزجهم. أقف أمام البائع المسؤول عن قسم الخضروات والفاكهة، أطلب كيلو من البندورة مثلاً، يضعهم على الميزان، يرفع بضع حبات من الكيس، ويلصق سعر الـ 700 غرام على الكيس الذي يحتوي على كيلوغرام من البندورة. أشتري منه القسيمة، يخبرني أنه سيستخدم المال للخروج مع أصدقائه، أخبره انني فاشلة بالطبخ، وبالتالي لا أعلم كيفية استخدام البندورة سوى لتحضير السَلَطة. أتوجّه نحو قسم المحاسبة دون أن تنتابني ذرّة ذنب واحدة تجاه المؤسّسة. أقف في الصف الطويل، أراقب الناس وتوتّرهم، وأشعر أننا نقف جميعاً في يوم الحساب.

هذا البلد الذي نعيش فيه، حوّلنا لأشخاص انتقائيين حتى في الطعام الذي نريد تناوله، ولخائفين من عملية شراء احتياجاتنا الأساسية. تتبادل السيدات أمامي وصفات للطبخات التي لا تحتاج إلى اللحوم، وتقول أخرى لزوجها: “خلينا نرد هيدي، بس نسحب مصرياتنا الأسبوع الجايي من البنك منرجع منجيبن”، في حديث جانبي معها على زاوية الطريق، قالت لي سيدة: “عملت طوال حياتي كأستاذة جامعية، وزوجي أيضاً، نحن عائلة ميسورة مادياً، لكننا غير قادرين على تحصيل أموالنا من المصرف. والآن، ونحن في آخر عمرنا، صار علينا أن نحسب الوجبات والمكونات التي يمكننا شراءها، لأن الأسعار صارت جنونية. ليه الحامضة الوحدة بدها تكون بـ 1500؟”، وتكمل: “المال الذي يصل إلى يدنا علينا أن نشتري به أدويتنا التي صار نصفها غير متوفّر في البلد. لذلك تخلينا عن لذّة الطعام، وصرنا نأكل لنشبع. لا يمكنني القول سوى الحمد لله، في طريقنا إلى هنا شاهدت عجزة بعمرنا يبحثون عن الطعام في سلة النفايات”.

عم باكل 2500 ليرة

“عزلت نفسي لفترة طويلة عن الأخبار الخارجية والوضع العام، وحين عدت للمتابعة أصبت بالاكتئاب. لا زلت أؤمن أن هناك طريقة للخروج من الوضع القائم، وأن البلد لم ينتهِ تماماً، لكننا سنحتاج للكثير من الوقت. وكل ما أريده حتى حلول تلك اللحظة التي نخرج فيها من قعر الانهيار، ألا أرى المزيد من الدماء”، يقول منسي، (طبعاً هذا ليس اسمه الحقيقي، لكنه أراد أن أستخدمه).

ليلة أمس جلس منسي أمامي وعبّر عن فرحته بمشروع جديد استلمه، سيؤمّن له 100 دولار الأسبوع القادم، والتي سيستخدها لدفع إيجار منزله. حين سألته عن أكثر ما صدمه بارتفاع الأسعار، وتحديداً تلك المرتبطة بالمواد الغذائية، قال: “الجبنة، هذا البلد لا يملك صناعة محلية، لكن قبل أيام اشتريت 10 شرحات من جبنة القشقوان، وانصدمت أن سعرهم يقارب الـ 25,000 ليرة، وحدث أمر غريب جداً: حين تناولت قطعة واحدة، لم أستوعب أنني في هذه اللحظة أمضغ 2500 ليرة، وتحوّل الطعام من مسلمات، لذة، حاجة، ومن مجرّد كونه طعاماً، إلى عميلة مالية معقّدة مع كل قضمة”.

تصل أخبار الناس لتعلمنا كيف أن سكّان المبنى الواحد صاروا يتقاسمون الطبخة ليجعلوا أجسادهم تعيش فقط، كيف أن الانهيار يمسّ الجميع، لكن هناك من لم يعد قادراً على تأمين المسلمات، وأن خلف كل هذا تقبع دولة تقيم الولائم وحفلات الشرف داخل قصورها، وتشنّ حرباً على الناس في الشارع، حيث صرنا كل يوم، نشاهد وجوهاً جديدة، عاجزة، تمدّ يدها وتطالب بالطعام لا بالمال. وأتذكّر الأستاذ الذي كان يحكي كثيراً عن الويلات التي شهدها أيام الحرب، والذي صار يقول اليوم: “بالحرب ما عشنا هيك ذل”. وأفهم لماذا كل صباح، وأثناء الصلاة، كان يتوقّف ويكرّر: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى