تقارير

الموت يفقد هيبته !

كتبت ايمان النمر : لا يُدرَك المعنى ولا تُقدَّر قيمته إلا بقوة تضاده، وقد وعي الإنسان هيبة الموت في اللحظة التي استبصر فيها لذة الحياة، واعتبرها منحة عظيمة، وإن قاسى فيها الأهوال، تمسّكه بحياته هو ما جعله يحيط موته بالطقوس والرهبة ويعده أقصى فجيعة، ومن المقابر صُنعت المعابد قديماً، وآمن البشر بالبعث والخلود، وكان الدم مقدساً، فلا يُسفك إلا قرباناً للآلهة أو جزاءً شجاعاً، وقد شددت التعاليم الدينية، على اختلافها، على مبدأ “لا تقتل”.

 

لكن ما يحدث أنّ شبح الموت يطاردنا يومياً، ويلاحقنا خبره على جدراننا الإلكترونية، ونشرات الأخبار وتتعدد أشكال المقاصل، بتنا نفتح أعيننا يومياً، على صور القتلى من هنا أو هناك، والدم المسفوك، نجد البعض يتلذذ بمشاهده، ويتشفى بمهازله، علناً وجدلاً، مجرد أنّ القتيل أو الضحية ممن لا ينتمون لهذه العقيدة أو ذاك الفكر، وقد سقط مدّعو الإيمان والإنسانية في خندق واحد.

مجتمعنا المعاصر لا يمتلك المجال العام الذي يمكّن الناس من التعبير عن اختلافاتهم وصراعاتهم وخبراتهم

مشاهد وجدالات تثير الانتباه إلى التغيرات التي طرأت على نظرة الإنسان في مجتمعاتنا الشرقية خصوصاً، للحياة والموت، مجتمعاتنا التي كانت تُجلّ الموت كحدث يعبر عن الحقيقة، حقيقة النهاية لكل شيء قد بدأ، يندهش البعض ويتساءل ببساطة؛ أين ذهب جلال الموت ورهبته؟ لكن هل لنا أن نبدل السؤال بلماذا؟ وقبل السؤال الأخلاقي الانفعالي، ألا يمكن أن نستدل بذلك الحال على فقداننا جلال الحياة ذاتها؟

في روايته “الآلهة عطشى”، نتأمل مع آناتول فرانس، الثورة الفرنسية (1789-1795)، وهي تتحول من شرط ثوري إلى مشهد ميثولوجي”أسطوري” لكنه واقعي، تُقطع فيه الرؤوس على مذبح الثورة والحرية والعدالة والإخاء، وباسم الوطن ومجده، يُساق الآلاف إلى “المقصلة المقدسة” وسط تهليل ونشوة الجماهير، في الشوارع وساحات المحاكم التي بلا حرية وبلا عدل ولا أخوة، لكن حين صار الموت من كثرة التكرار والعشوائية، نغمة الحياة الوحيدة التي يمسي عليها ويصبح الناس، بات الشعور بعبثية الحياة يتسرب إلى نفوسهم، وكأنّ الموت مسكون بلعنة خفية تشدهم إليه، فشاع الانتحار بين الصفوف، ولم يُجدِ معه توسلات الحب ولا أحجية الإيمان، وأصبحت المقصلة رمزية لهزلية الموت نفسه، فلا رهبة ولا خوف، حتى أكلت ثوارها ومهلليها، وبات الواقع يُلحّ بإيقافها مستكفياً.

وهكذا، حين يتفكك المجتمع، ويصير المرعب مألوفاً، ويفتقد الناس العدل والحرية في تقرير مصيرهم الذاتي، وحين يُسلب الفرد من إرادته، وتُكبح قدرته في التفكير العقلاني النقدي، يصير السؤال عن أخلاقية الحياة والموت بلا معنى ولا صدى مجدٍ.
وإذا ما أردنا إجابة ثقافية جذرية عن سؤال لماذا انتفى جلال الموت؟ فعلينا النظر إلى طبيعة المجتمع الراهن الذي نعيشه، إنه مجتمع مُسيس بالكامل، وخاضع لمنطق ومعيارية السوق، لا تمايز بين العام والخاص، وكل معنى فيه قابل للتطويع والاستغلال، أجسادنا لا نمتلكها، وإنما تحولت إلى موضوعات، انتفت معها ذاتيتنا، وعليه، تبدلت تصوراتنا ومفاهيمنا وطقوسنا؛ فإذا نظرنا مثلاً إلى إنسان المجتمع التقليدي، سنجده متماسكاً عضوياً، حياته وشيجة الصلة بالمقدس، ومهما كانت سيئة ومنتفية لشروط التحقق الإنساني المادي والمعنوي، إلا أنّه كان ينظر إليها على أنّها قدر ومنحة إلهية، وبها مساحة خصوصية محتجبة لها آدابها وطقوسها، ومن هنا كان مفهوم الستر والصمت والإجلال، وبنفس القدر كان إيهابه للموت.

بعد أن كان الإنسان يمارس مشاعره بات يتحدث عنها أكثر ويخضعها لمنظومته المفاهيمية النظرية

وحينما خضعت الحياة بالتمام، للسياسة والاقتصاد، باتت المشاعر المحتجبة قيد التشريح والتنظير، فبعد أن كان الإنسان يمارس مشاعره، بات يتحدث عنها أكثر، ويخضعها لمنظومته المفاهيمية النظرية، فأصبحت للانفعالات دلالات واعتبارات أخرى، تقوى أو تضعف بحسب الخطاب الثقافي ومنظومته الأخلاقية وسياقه، ولا يعني ذلك، تمجيد الماضي ولا الدعوة إليه، وإنما القصد هو توضيح الصيرورة التاريخية للواقع الإنساني ومآله، للوقوف على التحديات وتعيين التغيرات الكلية التي أثرت في التصور والمفهوم على الأقل في شكله الثقافي.

إنّ السياق الذي نعيشه، سياق لا إنساني، واستبدادي كلي، مُكيف وفق أغراض سادته، الجميع فيه يصرخ دون أن يدرك من أين تأتيه ضربة السياط بالضبط، واقع ملتبس وضبابي، إذ “يعتقد المرء أنه يموت من أجل الطبقة، وهو في الواقع يموت من أجل رجالات الحزب، ويعتقد أنه يموت من أجل الوطن، وهو يموت من أجل أرباب الصناعة، ويعتقد أنه يموت في سبيل البروليتاريا، وهو يموت في سبيل بيروقيراطيتها، ويعتقد أنه يموت بناء على أمر من دولة، وهو يموت من أجل المال الممسك بتلابيب هذه الدولة، ويعتقد أنه يموت في سبيل الأمه، وهو يموت في سبيل اللصوص الذين يكمّون فاهه… ويعتقد ويعتقد، ولكن لم الاعتقاد والإيمان في عالم مظلم إلى هذا الحد؟ الإيمان، الموت؟ … ألم يحن الآوان لنتعلم كيف نحيا؟” يتساءل فرنسوا بيرو ونسأل معه.

 

إذا كانت العقلانية وقيم الإنسانية والأخوة وحق الحياة الآمنة، هي نفسها ما أوقفت المقصلة الفرنسية، فإلى أي مدى يمكن التعويل على فعالية تلك القيم في مجتمعنا المعاصر بسياقه الراهن، حتى يتوقف هذا العنف السيال والمزمن؟ بلغة أكثر تعييناً، إلى أي مدى ينجز الخطاب الإنساني الفردي -حال كان جاداً- في سياق لا إنساني؟ وعلى أي اعتبار يمكن إدانة هذا الموقف أو ذاك بأنه لا إنساني؟

أقول، إنّ لغة الإدانة تتعارض مع اللاوعي؛ فأن يدين المرء موقف الآخر بنعته غير إنساني، فهذا يتطلب مبدئياً، أن يكون هذا الآخر مدركاً ويعي قيمة ما تدين بشأنه، ويتقاسم معك ولو بحد أدنى نفس التصور عن مفهوم هذه القيمة، هذا على المستوى الفردي، أما على المستوى الجمعي، فحين نتحدث عن قيم الإنسانية والحرية والتعايش، وكي تكون ذات جدوى، لا بد وأن نتحدث من واقع القبول والإمكان؛ قبول الحس العام، فالناس لا تدافع عن قيمة ولا تدين فعلاً يناقضها، إلا من موقع الحاجة الماسة التي تدفعهم، لأن يلتفوا حولها بحيث تصير هي القاسم المشترك والصالح العام، بينهم على اختلاف الطبقة والنوع والمعتقد، بما يشكل قوى اجتماعية قادرة على تجاوز التعارضات.

أغلب الخطاب الثقافي اليوم ينم عن فكر اختزالي قشري لا يشتغل سوى من مساحات المظلومية والاستعداء واصطياد أخطاء الخصومة

عدا أنّ القيم تحتاج إلى ترجمة واقعية عبر وسائط تضمن فعالية سريانها من الخطاب الفلسفي المحض وذاتيتها المجردة، إلى اللغة والسلوك العام، وذلك من خلال مؤسسات التشريع وإنتاج منظومات القيم كالدين والتعليم والإعلام الجماهيري. لكن من المؤسف أنّ مجتمعنا المعاصر، يفتقد تلك الشروط، ولا يمتلك أصلاً، المجال العام، الذي يمّكن الناس من التعبير عن اختلافاتهم وصراعاتهم وخبراتهم على نحو فعال، غير أنّ القوى الاجتماعية منقسمة ضد بعضها على المستوى الفكري والمادي، لا يجمعها سوى دوغما التفكير والتعصب الأعمى لأيدولوجيتها سواء كانت علمانية أو دينية.

من جانب آخر، وبما أنّ الحياة أصبحت تقع تحت وطأة المجال الاقتصادي السياسي، الذي يتعين بالمعيار لا المعني الأخلاقي، فيعني أنّ الحل الثقافي وحده لن يكون ناجزاً؛ لأنّ، وبكل بساطة “المشكلات السياسية تصبح غير قابلة للحل حين تتنكر بزي مشاكل ثقافية”، كما في منظور غرامشي، بل بالعكس غالباً ما يكون الخطاب الثقافي في هذا الشرط مبتذلاً وخانعاً؛ إذ تصبح مصطلحات الإنسانية والحرية والعدالة والاحترام ..الخ، متجردة من معناها الجوهري، وموضوع استغلال نفعي ثقافوي مزيف يساهم في صنع وتضخيم الوعي المجتمعي الزائف لا يحله.

 

بما يعني، أنّ إدانتنا لفعل غير إنساني لم يعد يكفي، ولن يجدي، في سياق لا يأبه بمعنى الإنسانية ولا أخلاقيتها، عدا أنّ الخطاب الثقافي، اليوم، يمكن وصفه، على الأقل في شروط تداوله وعرضه العام، أنّه خطاب ينم أغلبه، عن فكر اختزالي قشري، لا يشتغل سوى من مساحات المظلومية والاستعداء واصطياد أخطاء الخصومة، ثم محاكاتها والمزايدة عليها، خطاباً لا ينتج سوى تعزيز دوائر التبعية والخضوع، ومن ثمّ، فالثمرة حنظل غير قابل للنضج.

العقل الجمعي اليوم منهك ومرهق غير قادر على استيعاب خطاب نقد جاد جراء حالة التجريف والاستقطاب

والعقل الجمعي، اليوم، منهك ومرهق، غير قادر على صنع أو استيعاب خطاب نقد جاد، جراء حالة التجريف والاستقطاب والانهيار الكلي الذي يعانيه منذ أعوام طويلة، انتهت بثورية مجهضة ومبتسرة ما يزال يعيش صدماتها وتبعاتها. وعليه، فمسألة إجلال الموت، هي أعقد بكثير من اختزالها في حيز الإدانة باسم الإنسانية أو حتى السؤال الأخلاقي، ولا يمكن النظر إليها في معزل عن السياق الكلي، الذي يتطلب فك الاشتباك بين الأنساق الحياتية، وتحرير الحياة ذاتها من الخضوع الكامل لتروس الإنتاج، وإعادة التمايز بين المجالين العام والخاص.

وبالإحالة لما سبق بيانه، من المؤسف، القول بأنّ هذا الحال سيستمر إلى أجل غير مسمى، حتى يستعيد المجتمع والفرد، القدرة على النضال المشترك، من أجل قيمة الحياة، وحق العيش المشترك الآمن، والحر قدر المستطاع، من شروط العبودية المرئية والخفية. ومجتمعات المنطقة، تمر بحالة غليان، تتفاوت حدته، لم يفصح بعد عن كامل طاقاته وجلاء تناقضاته، لكن إلى هذا الحين، سيظل الموت منظوراً إليه بعين العبث، كما الحياة، وسيصبح الموت أكثر عُرضة، لأن يكون موضوعاً للخصومة والتشفي، بل مجرد عدد لا شرف فيه ولا بطولة معترفاً بها، وإنما وجهة نظر معيارية، قابلة لأن تكون خطأ أو صواباً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى