تقارير

انسحب صدام وخلف وثائق ارتكاباته : ربع قرن من أهوال البعث في كردستان

كتب جمال العميدي – باحث وكاتب عراقي
خلّف جيش صدام حسين بعد انسحابه من شمال العراق عام 1991 أرشيفاً هائلاً يوثق يوميات ارتكاباته بحق الأكراد. ننشر هنا قصة العثور على هذه الوثائق.

في ربيع عام 1991، تلقّى برهم صالح؛ القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، اتصالاً هاتفياً من زعيم حزبه جلال طالباني يطلب إليه العودة السريعة من واشنطن إلى كردستان العراق. وحالما وصل صالح إلى السليمانية، عرف أن العودة العاجلة تتعلّق بأطنان من الوثائق البعثية التي استولت عليها الأحزاب الكردية، في أعقاب انسحاب الجيش والقوات الأمنية التابعة لنظام صدام من المدن الكردية، على خلفية انتفاضة آذار/ مارس 1991. ولما كان صالح ممثّلاً للحزب في الولايات المتحدة، كلّفه طالباني بتولّي كل ما يتعلق بالوثائق المذكورة. وحالما عاد إلى واشنطن طلب لقاء كنعان مكية. “ذهبت للقاء صالح واستمعت منه إلى قصة الوثائق، وحصلت على نموذج لها، وهو سجل طويل مزركش بالورود، مكتوب عليه: سجل القرى المُزالة. السجل الذي بدا مشابهاً لما يستخدمه الطلاب في المدارس، يصف عمليات إزالة القرى في قطاع واحد من كردستان العراق، ويورد معلومات تفصيلية عن الإجراءات المتبعة في ذلك. دعاني صالح إلى زيارة كردستان والاطلاع على الوثائق بنفسي، ووعد بتوفير كل إجراءات الحماية اللازمة”.

 

ويضيف مكية خلال اتصال هاتفي به “حين غادرت فكّرت بلقاء بيل گریم، رئيس قسم الدراسات شرق الأوسطية في جامعة هارفرد، وروي متحدة الذي يعمل في القسم نفسه. أطلعتهم على قصة الوثائق، وأخبرتهم نيّتي السفر إلى كردستان لإلقاء نظرة عليها، وناقشت معهم إمكان أن تستضيفها هارفرد فيما لو أمكن نقلها إلى الولايات المتحدة، وقد تلقّيت الدعم الكامل منهما”. سافر مكية إلى لندن للقاء هوشيار زيباري، الذي كان يمثّل الحزب الديموقراطي الكردستاني في بريطانيا، وحصل منه على تأكيدات مشابهة بوجود أطنان من الوثائق في عهدة حزبه، وقدم له الدعوة نفسها للسفر إلى كردستان. كذلك التقى القيادي الكردي لطيف رشيد، الذي رتّب له لقاء مع المصوّر كوین روبرت. طرح مكية على روبرت فكرة مرافقته إلى كردستان من أجل إنتاج فيلم يلقي الأضواء على الوثائق ومحتوياتها وأهميتها. وحين أبدى روبرت استعداده لخوض المغامرة، استفسر مكية من “بي بي سي” عن إمكان أن يغطّوا تلك الرحلة، وحصل على موافقة لتغطية بطاقات السفر إلى إسطنبول، فضلاً عن أجور المواصلات في أثناء التنقل بين تركيا وكردستان العراق، عبر الطريق البري.

سجّل القرى المزالة

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1991، بدأ مكية وروبرت رحلتهما التي دامت نحو شهرين، ووُثّقت في فيلم حصل على عدد من الجوائز، وكان بعنوان “الطريق إلى الجحيم”، وقد بثّه برنامج “بي بي سي أفريمان” في كانون الثاني/ يناير 1992. أعيد عرض الفيلم في الولايات المتحدة عبر برنامج فرونتالاين، بعنوان آخر هو “حقول القتل الصدّامية”، في 21 آذار 1992، بعد إضافة نصف ساعة جديدة تضمّنت شهادات ومعلومات لم تكن موجودة في النسخة الأولى. تضمّن الفيلم مقابلات مع ناجين من حملات الأنفال سيئة الصيت، تابعتها هيومن رايتس ووتش لاحقاً. كما أنه “سلّط الأضواء على أهمية الوثائق الكردية، بوصفها موارد ذات أهمية فورية في مجال فضح الإجراءات التعسفية التي تمارسها الحكومة العراقية، فضلاً عن أهميتها في مجال البحث العلمي المستقبلي. الفيلم لفَت الأنظار أيضاً إلى ضرورة جمع الوثائق وإخراجها من البلاد، لحمايتها من الأخطار التي كانت تلوح في الأفق آنذاك”.

قصة الأرشيف الكردي

أشرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، إلى أن “أرشيف البعث” يقسم على قسمين رئيسيين، أولهما يعود إلى العام 1991، وهو يضم الأرشيف الكردي والأرشيف الكويتي، والآخر يرجع إلى العام 2003، ويضم الأرشيف الأميركي وأرشيف القيادة القطرية والأرشيف اليهودي، وسوى ذلك من المجموعات الأرشيفية الأصغر حجماً.

ونقصد بالأرشيف الكردي، أو ما صار يصطلح عليه بـ “مجموعة بيانات شمال العراق”، كل الوثائق التي جمعها الكرد بعد هزيمة نظام صدام في حرب الخليج الأولى، إذ شهد آذار 1991 اندلاع انتفاضة كبرى شملت 14 محافظة من أصل 18 في جنوب العراق ووسطه وشماله، من أجل التحرر من قبضة نظام صدام حسين الخانقة. في المناطق الشمالية، بدأت الانتفاضة من بلدة رانيا الكردية في 6 آذار 1991، وسرعان ما اجتاحت المحافظات الكردية الثلاث؛ أربيل والسليمانية ودهوك.

مع اتساع رقعة الانتفاضة، حاصر السكان المحليون فروع حزب البعث ومراكز الشرطة المحلية، فضلاً عن مراكز التحقيق والتعذيب التابعة للمخابرات، وامتد الغضب الشعبي ليصل إلى كركوك الغنية بالنفط. مقاتلو البیشمركة التابعون للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، فضلاً عن مجموعات أصغر من الفصائل الكردية، نزلوا من مخابئهم الجبلية وانضمّوا للانتفاضة. كان القتال شرساً في كثير من الأحيان، وانتهى بانسحاب آخر بقايا النظام البعثي في ​​الشمال، ليستولي المنتفضون على كميات هائلة من سجلات صدام. أكثر من 18 طناً مترياً من أرشيف البعث وجدت طريقها إلى مخابئ نائية في الجبال، قبل أن تتمكّن القوات التابعة لصدام حسين من إطفاء جذوة الانتفاضة، وإرسال حوالى 1.5 مليون كردي في رحلة يائسة إلى المناطق الحدودية مع إيران وتركيا.

لقد أتاح قتل عشرات الآلاف من الكرد وتعذيبهم، فرصة غير مسبوقة لتقديم المسؤولين العراقيين المتورّطين بهذه الجرائم إلى محكمة دولية، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الإبادة الجماعية عام 1948

 

محنة الكرد تلك، دفعت الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إنشاء منطقة حظر للطيران فوق كردستان العراق، لتمكين اللاجئين من العودة إلى ديارهم ودرء مزيد من الهجمات العراقية. كان التدخل الخارجي الذي أقرّه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بموجب القرار 688 الصادر في 5 نيسان/ أبريل 1991، هو الأول من نوعه. أدى إنشاء منطقة حظر للطيران ومنطقة عازلة للأغراض الإنسانية، إلى انسحاب القوات البرية العراقية في تشرين الأول/ أكتوبر 1991، ما سهّل إنشاء حكومة في إقليم كردستان عام 1992.

فضلاً عن كنعان مكية، جذبت أنباء الفظائع التي شهدتها كردستان، والوثائق التي صادرتها الأحزاب الكردية، انتباه بيتر غالبريث؛ الموظف المتخصص بالشؤون العراقية في لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، فزار كردستان العراق هو الآخر، خلال شهري آذار ونيسان 1991، لاستطلاع الأوضاع. بعد وصول غالبريث إلى كردستان، أبلغه جلال طالباني أن مقاتليه استولوا على أطنان من ملفات نظام البعث السرية، خلال الساعات الأولى من الانتفاضة. وعلم غالبريث بأن هناك أطناناً أخرى من الوثائق في حوزة الحزب الديموقراطي الكردستاني، والحزب الاشتراكي الكردي بزعامة محمود عثمان.

علي حسن المجيد في محكمة الأنفال

كان الاهتمام الكردي الأولي بالوثائق يركّز على تحديد هويات المخبرين العاملين في الأجهزة القمعية العراقية، ولا سيما جهاز المخابرات. لكنهم سرعان ما أدركوا أهميتها الأكبر كونها تحتوي أدلة على الإبادة الجماعية التي رافقت حملات الأنفال التي أشرف عليها علي حسن المجيد؛ ابن عم صدام. شكّلت حملات الأنفال ذروة الجرائم الناتجة عن عمليات عسكرية حدثت بين العامين 1987 و1989، بداعي معاقبة الكرد على تحالفهم مع إيران خلال حرب السنوات الـ8، ومقاومتهم المستمرة لسلطة البعث على مدى عقود مضت. ما بدأ بوصفه عملية لـ”مكافحة التمرّد واستعادة السيطرة على شمال العراق”، تصاعد بسرعة إلى سلسلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية. لقد أتاح قتل عشرات الآلاف من الكرد وتعذيبهم، فرصة غير مسبوقة لتقديم المسؤولين العراقيين المتورّطين بهذه الجرائم إلى محكمة دولية، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الإبادة الجماعية عام 1948.

 

وبدعم من لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ووزير الدفاع ديك تشيني، حصل غالبريث على إذن  للتفاوض بشأن نقل الوثائق إلى الولايات المتحدة من أجل التخزين والتحليل الآمنين. وافق الاتحاد الوطني الكردستاني على نقل حصته من الملفات إلى الولايات المتحدة عام 1992، على أساس الاعتراف بأنها إرث كردي. هذا الشرط حكم أيضاً اتفاقية النقل التي أبرمها غالبريث مع الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الاشتراكي الكردي، ووصلت الملفات الخاصة بهما إلى الولايات المتحدة عام 1993.

بيتر غالبريث في كردستان العام 1992

وبمجرد دخولها الأراضي الأميركية، تولّت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الوصاية القانونية عليها، وعهدت بها إلى إدارة المحفوظات والسجلات الوطنية الأميركية، التي أودعتها أحد مرافقها الكائنة في “كوليدج بارك” بولاية مريلاند.

بعد عودته من شمال العراق، قدّم مكية نهاية عام 1991 إيجازين عن الوثائق الكردية، أولهما مكتوب والآخر شفوي. المكتوب كان عبارة عن رسالة من 3 صفحات، وجّهها إلى قسم الدراسات شرق الأوسطية في جامعة هارفرد، لخّص فيها النتائج التي تمخّضت عن زيارته إلى كردستان، ورؤيته للوثائق وأهميتها والإجراءات التي يمكن أن تُتّخذ في شأنها. وقد اقترح مكية أن تُجمع كل الوثائق الموزّعة بين شتى الأحزاب الكردية في مكان واحد، وأن تُحفظ بوصفها مخزوناً ذا قيمة تاريخية وأكاديمية كبيرة. كانت هذه الرسالة باكورة تفكير مكية بالمشروع العراقي للبحث والتوثيق الذي أسسه عام 1992 في جامعة هارفرد. أما الإيجاز الشفوي فقد قدّمه إلى آريا نايير؛ مدير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، وأندرو ويتلي؛ مدير قسم الشرق الأوسط “ميدل إيست ووتش” في المنظمة نفسها، وقد أعاد فيه النقاط التي حدّدها إيجازه المكتوب. في أعقاب اللقاء، تقدّم ويتلي بعرض رسمي إلى الجهات ذات العلاقة، بأن تقوم منظمته بتحليل الوثائق لبناء دعوى قضائية محتملة ضد النظام العراقي بتهمة الإبادة الجماعية. لقي مقترح ويتلي قبولاً، فنشأت شراكة غير عادية بين “هيومن رايتس ووتش” ووكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية التي قدّمت الدعم اللوجستي في قراءة ملايين الوثائق ومعالجتها ومسحها ضوئياً. كانت مهمة “هيومن رايتس ووتش” الشاقة المتمثلة في تصنيف ملايين الوثائق وفحصها وتحليلها، مع التركيز على هدفها القاضي بالتحضير لقضية إبادة جماعية ضد النظام العراقي، تتجاوز قدراتها الفعلية. لذلك اضطرت إلى قبول عرض وزارة الداخلية الأميركية للمساعدة اللوجستية، لكنها اشترطت أن يكون عمل وحدة تحليل الوثائق التابعة للوزارة تحت إشراف المنظمة. بناء على مقابلات مكثّفة مع الناجين والضحايا، وتحليل الوثائق التي جُمعت بين عامي 1992 و1994، خلصت “هيومن رايتس ووتش” إلى أن نظام صدام كان مذنباً بارتكاب جرائم إنسانية خطيرة، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية.

 

في غضون ذلك، أبدت المعارضة العراقية التي كانت تنضوي آنذاك تحت مظلة المؤتمر الوطني العراقي، اهتمامها بمحاكمة صدام ورموز نظامه. يقول مكية في كتابه الذي صدر الشهر الماضي عن منشورات الجمل في بيروت بعنوان “في القسوة”، إنه تلقّى دعوة من أحمد الجلبي في آذار 1993، لحضور اجتماع مع مارتن أنديك؛ مستشار الأمن القومي في حكومة الرئيس الأميركي بيل كلينتون. كان موضوع الاجتماع هو إمكانية محاكمة صدام حسين ونظامه غيابياً، في محكمة دولية خاصة تُؤسَّس لهذا الغرض. أنديك قال لمكية والجلبي إن الولايات المتحدة غير مستعدة لطرح الموضوع باسمها، لكنها يمكن أن تدعم المعارضة العراقية إذا أخذت زمام المبادرة. وحين طلب الجلبي كتابة تقرير موسع يغطي المبادرة، وافق مكية شرط أن تطالب أحزاب المعارضة “بمحاكمة نخبة صغيرة جداً من أعلى مسؤولي النظام، ويصدر عفو عام يشمل الجميع، ويكون التقرير باسم المؤتمر والأحزاب التي يضمّها”. قاد مكية فريق كتابة التقرير الذي جاء في 216 صفحة، ونُشر باسم المؤتمر الوطني العراقي في 25 حزيران/ يونيو 1993، بعنوان “الجرائم ضد الإنسانية والانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية في العراق”، ووُزع في كردستان العراق ليصل إلى أجزاء أخرى من البلاد.

بعد صدور تقرير المعارضة العراقية، دعمت الولايات المتحدة جهود “هيومن رايتس ووتش” والمنظمات الحقوقية الأخرى التي كانت تعمل من أجل مشروع محاكمة نظام صدام. وعلى رغم الجهود المبذولة لحشد الدعم الدولي من أجل تلك المحاكمة، واستعداد حكومتين في الأميركيتين لدعم القضية من حيث المبدأ، لم تتمكّن “هيومن رايتس ووتش” من حشد دعم أي حكومة أوروبية كبرى. كان وراء هذا الفشل سببان رئيسيان أولهما يتعلّق بالسجلات نفسها، والآخر يخصّ الحكومات ورؤيتها للمستقبل. أما السجلات، فلم تستطع أن ترسم صورة كاملة ومفصّلة للجرائم المرتكبة آنذاك، بسبب قلّة الوثائق المفيدة فيها. ثلث المجموعة كان ملفات إدارية تتعلّق بإدارة بيروقراطية حاكمة كبيرة، وما يتضمّنه ذلك من تفاصيل يومية كالترقيات والزواج والإجازات والتقاعد ونقل الموظفين، فيما تناول نصف المجموعة طلبات الحصول على معلومات على مستويات مختلفة من التسلسل القيادي لحزب البعث. ويرجّح الباحثون أن سبب ذلك يكمن في أن البیشمركة، استطاعت الاستيلاء على عدد محدود فقط من السجلات المهمّة في كركوك، إذ اضطرت إلى الانسحاب على عجل، قبل أن تستعيد قوات صدام السيطرة على المدينة في آذار 1991. كانت كركوك، بوصفها مقراً للمكتب الشمالي لحزب البعث، هي مركز إدارة عمليات علي حسن المجيد الخاصة بالأنفال، ما يعني أنها كانت مركزاً للوثائق المهمة. بإزاء هذا النقص، عضّدت “هيومن رايتس ووتش” تلك السجلات، بأدلة الطب الشرعي التي جمعتها “منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان” من العمل على المقابر الجماعية، فضلاً عن شهادات الناجين الكرد من حملات التطهير العرقي، وكانت واثقة من أن هذه المجموعة تثبت وجود قضية إبادة جماعية واضحة، ارتكبتها الحكومة العراقية. مشروع “هيومن رايتس ووتش” فشل لسبب آخر أيضاً، يتعلّق بالمجتمع الدولي الذي كان يفتقر إلى الإرادة السياسية كما يشير بعض الباحثين، وأثبتت الأحداث أنه كان أكثر ميلاً للركون إلى عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على العراق، لتقويض سلطة نظام صدام ببطء. فضلاً عن ذلك، كانت الأطراف الديبلوماسية الرئيسة القادرة على معالجة القضية، إما متورطة بشكل كبير في بناء العراق، ما بين سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وقد تضمّن ذلك المساعدة في إنشاء برامج الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية والنووية، أو معنية أكثر بتوفير مناخ سياسي ملائم لبغداد، يمكنّها لاحقاً من الحصول على عقود النفط وإعادة الإعمار، بمجرد رفع العقوبات عن نظام صدام.

 

القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني آراز طالباني يقف أمام وثائق العام 1991

 

المشروع العراقي للبحث والتوثيق

بعد مغادرته كردستان العراق، ووصول مجموعة بيانات شمال العراق إلى الولايات المتحدة، بدأ مكية يفكّر بمشروع بحثي يحلّل النسخ الرقمية للأرشيف الكردي، فضلاً عن الأرشيف القادم من الكويت، بعد انسحاب الجيش العراقي منها. لم يكن لدى مكية آنذاك سوى ثلاثة أنواع من الوثائق حسب ما يقول، أولها سجل القرى المُزالة الذي تسلّمه من صالح، ثم “حقيبة من الوثائق حصل عليها من الأحزاب الكردية في أثناء زيارته كردستان نهاية عام 1991”. ويتعلّق الجزء الثالث من الوثائق، بالملفات المصوّرة (فيديو) والصوتية التي أنجزها خلال العمل على فيلم “حقول القتل الصدامية”، والتي لم تجد طريقها لتكون جزءاً من الفيلم. هذه جميعاً تحولت لاحقاً إلى ملفات نصية مؤرشفة ومفهرسة. أضيف إلى هذه المجموعة لاحقاً جزء رابع جاء حسب مكية “من شمال العراق أيضاً. كنت أزور أحمد الجلبي أيام إقامته هناك أواسط التسعينيات، وسجّلت خلال هذه الزيارات نحو 50 مقابلة طويلة، مع جنود وضباط هاربين من الجيش العراقي يقيمون في كردستان، بهدف ضمّها إلى كتاب كنت أعتزم تأليفه، يخصّ حرب السنوات الثماني، بوصفها الحدث الأكبر في تاريخ العراق، كما أعتقد. لكن هذا المشروع لم يرَ النور بسبب عجزي عن إجراء مقابلات مشابهة مع جنود إيرانيين، إذ لم أحصل على موافقة السلطات الإيرانية بسبب هاجس الخوف من أن أكون جاسوساً من جامعة هارفرد، يعمل لصالح المخابرات الأميركية”. هذه الشهادات تحوّلت إلى ملفات نصية أيضاً، وضُمّت إلى محفوظات المشروع العراقي للبحث والتوثيق.

كنت أزور أحمد الجلبي أيام إقامته هناك أواسط التسعينيات، وسجّلت خلال هذه الزيارات نحو 50 مقابلة طويلة، مع جنود وضباط هاربين من الجيش العراقي يقيمون في كردستان، بهدف ضمّها إلى كتاب كنت أعتزم تأليفه، يخصّ حرب السنوات الثماني

استناداً إلى هذه المجموعات من الوثائق، أسس كنعان مكية المشروع العراقي للبحث والتوثيق عام 1992، في جامعة هارفرد. وقد تلقّى المشروع دفعة قوية حين حصل مكية في 21 تموز/ يوليو 1994، على وعد من السيناتور كليبورن بيل؛ رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ آنذاك “بالحصول على نسخة رقمية من مجموعة بيانات شمال العراق، كما لاحت في الأفق فرصة أخرى بالحصول على نسخة من مجموعة بيانات الكويت”. ويشير مكية إلى أن المشروع حظي “بدعم استثنائي من أستاذ التاريخ روي متحدة، الذي خلف كریم في رئاسة قسم الدراسات الشرق أوسطية في جامعة هارفرد. هناك التقيت بالزميل حسن منيمنة، فبدأنا العمل معاً بهدف حفظ الأرشيفين الكردي والكويتي وتصنيفهما وتحليلهما، ثم عرضهما للتداول العام عبر الموقع الإلكتروني للمشروع. كما تلقّينا دعماً من المعهد العراقي في واشنطن، ولا سيما بجهود السيدة رند الرحيم، التي احتضنت المشروع في فترته الانتقالية، حتى انتقل إلى بغداد”.

لكن موعد تسليم النسخة الرقمية من مجموعة بيانات شمال العراق، تأخر بحسب مكية “حتى خريف 1998، ولم نتلقَ نسخة كاملة منها. على رغم ذلك، باشرنا مرحلة التحليل الفني والتصميم الأولي لنظام التعامل مع البيانات التي انتهت صيف 1999. حينها شرع فريق من الباحثين الذين تلقّوا تدريباً خاصاً على معالجة محتويات الأرشيف، بمرحلة وضع التعليقات التوضيحية الضرورية، في خريف العام نفسه”. “.

في أثناء ذلك، زوّدت وزارة الخارجية الأميركية المشروع العراقي للبحث والتوثيق، بعدد من الأقراص المضغوطة الخاصة بمجموعة بيانات الكويت، بلغ مجموعها “أكثر من 720 ألف صفحة، وأجرى المشروع عليها عملية مماثلة من التحليل الفني والتحويل وجعل المواد وتهيئتها للنشر على الموقع الإلكتروني للمشروع. هذه المشاريع أنجزت بالاستفادة من منحة مؤسسة برادلي التي تلقّيناها عام 1993، ومنحة بريدج القادمة من الوقف الوطني للديموقراطية عام 1994

علي حسن المجيد في أثناء إشرافه على حملات الأنفال نهاية الثمانينيات

بدأ المشروع العراقي للبحث والتوثيق في فهرسته الخاصة للوثائق ودراستها، ساعياً إلى جعل وثائقه قابلة للبحث عن طريق مصطلحات وأسماء وأماكن وتواريخ إضافية للكلمات الرئيسية، ثم توسيع مساحة البحث الذي أنجزته “هيومن رايتس ووتش”، بشأن فترة الحكم البعثي للعراق والفظائع التي ارتكبها نظام صدام. عملت رند الرحيم، مسؤولة عن جمع التبرّعات، فيما كان حسن منيمنة ينظّم عملية البحث. فضلاً عن ذلك، وظّف المشروع فريقاً من 8 باحثين بين العامين 2000 و2003. مدير المشروع روبرت رابيل، وهو أحد طلاب مكية في جامعة برانديز، اطلع بنفسه على 60 ألف صفحة من مجموعة بيانات شمال العراق، فيما كان فريقه يدرس ويفهرس ما بين 600 ألف و700 ألف صفحة خلال هذه المدة الزمنية. فضلاً عن الإشراف على فريق البحث في المشروع، كتب رابيل عدداً من الدراسات التي بناها على السجلات، وأجرت وسائل الإعلام مقابلات معه قبيل الحرب مع العراق عام 2003.

 

في أثناء عملية الأرشفة والتصنيف، اكتشف منيمنة نقصاً واضحاً في عدد الوثائق لدى مقارنة التقديرات الأولية التي تتراوح بين 4 و5.5 مليون صفحة فردية، والنسخة الرقمية التي تسلّمها المشروع، والتي يبلغ عدد صفحاتها 2.4 مليون صفحة فردية (محتويات 1575 صندوقاً من أصل 1842 صندوقاً من الورق المقوّى). ورجّح منيمنة أن النسخ الأخرى التي تسلّمتها “هيومن رايتس ووتش” وأرشيف جامعة كولورادو بولدر، تعاني العيب نفسه. ظلّ هذا النقص لغزاً لم يُحلّ غموضه إلى اليوم، الأمر الذي دفع منيمنة وباحثين آخرين إلى تقديم عدد من الفرضيات لتفسيره.

وفيما عزت “هيومن رايتس ووتش” هذا النقص إلى امتناع الأحزاب الكردية عن نقل الجزء الوثائقي المتعلّق بالمخبرين إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن لجوئها إلى دفن وثائق أخرى أو حرقها قرب الحدود الإيرانية، أضاف منيمنة احتمالاً آخر يتعلّق بفقدان عدد من الوثائق بطريقة غير مقصودة، في أثناء نقلها بعيداً من منطقة الحرب. فضلاً عن ذلك، يمكن افتراض أن الجيش الأميركي حجب عدداً آخر من الوثائق، لأنها تحوي معلومات استخبارية تمكن الإفادة منها في إقامة دعوى ضد نظام صدام، على رغم أن هذا الحجب يحتاج إلى طلب إذن صريح من لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، وهذا الطلب لم يُقدّم أبداً. وبحسب منيمنة، فإنه اكتشف النقص حين قارن فهرس السجلات الرقمية الذي بلغت عدد صفحاته 40825، بوثائق النسخة الرقمية المرفقة، إذ كان هذا الفهرس يحيل أحياناً إلى مستندات ورقية غير موجودة. واستناداً إلى هذا النقص الواضح، استنتج منيمنة أن “المستندات المفقودة تميل إلى أن تكون وثائق مثيرة للاهتمام”.

إلى جانب مجموعة بيانات شمال العراق، كان المشروع العراقي للبحث والتوثيق يعمل على نسخة رقمية لعدد من سجلات نظام صدام، استولت القوات الأميركية على أصولها بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت في شباط/ فبراير 1991. وتضمّ هذه السجلات التي سميت “مجموعة بيانات الكويت”، 720 ألف صفحة، وقد خضعت لإجراءات مشابهة لما حدث مع وثائق الأرشيف الكردي. وحسب منيمنة، فإن المشروع العراقي للبحث والتوثيق، أتاح فترة وجيزة من عام 1999، نحو 3.1 مليون صفحة مجمّعة من مجموعتي بيانات شمال العراق وبيانات الكويت على موقعه الإلكتروني، لكنه سرعان ما حجبها بسبب مخاوف تتعلّق بالخصوصية.

وبحلول نيسان 2003، طغت أحداث حرب العراق وزوال نظام البعث، على جهود المشروع العراقي للبحث والتوثيق، ولا سيما بعدما نقل مكية النسخ الرقمية للأرشيفين الكردي والكويتي، والنتائج التي ترتّبت على أرشفتها وتصنيفها ودراستها إلى بغداد، لتكون نواة مؤسسة الذاكرة العراقية. وحين نقل مكية أرشيف القيادة القطرية إلى الولايات المتحدة عام 2005، كان الأرشيفان الرقميان لبيانات شمال العراق والكويت من بين المنقولات، ثم ما لبث أن استقر كل ما في عهدة مؤسسة الذاكرة العراقية من أرشيفات البعث الأصلية والرقمية في معهد هوفر، عبر اتفاقية الإيداع الموقت التي تحدّثنا عنها في الحلقتين السابقتين.

وإذا استثنينا ما كتبه مكية في كتابة “القسوة والصمت” الذي صدر العام 1993، فإنه لم ينشر أياً من نتائج دراسته للأرشيفات والوثائق البعثية إلا مؤخراً، عبر كتابه الجديد “في القسوة”، إذ تحدّث عن تجربته في المشروع العراقي للبحث والتوثيق ثم مؤسسة الذاكرة العراقية. وفيما يتعلّق بمجموعة بيانات شمال العراق، خلص مكية إلى استنتاج يخصّ عمليات الأنفال، يناقض رواية الأحزاب الكردية بشأن معزاها. يرى مكية أن أحداً لم يكن يعرف بالضبط ماهية تلك الحملات، بما في ذلك الكرد أنفسهم؛ هل كانت استمراراً للحرب القائمة مع إيران، بفعل أنها عاصرتها زمنياً، أم هي حملة إبادة منفصلة استغلت حجّة الحرب؟

نصب شهداء حلبجه جنوب شرق السليمانية

على أي أساس إيديولوجي أو قانوني قامت هذه العمليات؟ أهي حملة تطهير للكرد بوصفهم قومية، أم هي حملة إبادة تخصّ الموجودين في “المناطق المحظورة أمنياً”، كما توحي الوثائق الرسمية للاستخبارات العسكرية، من دون أن يكون لها دافع تطهير قومي بالدرجة الأولى؟ كان الأمر المهم بالنسبة إلى صدام وأجهزته الأمنية، كما يرى مكية، هو معركة وجود في تلك المناطق المحظورة، الأمر الذي يفسّر إبادة بعض القرى الآشورية مثلاً، ضمن آلاف القرى الكردية المستهدفة. تلك النتيجة كشفت لمكية حاجة البحث العلمي الماسة إلى دراسات أكثر عمقاً لحملات الأنفال بغية فهم أسبابها الجوهرية، فضلاً عن تسليط الضوء على عمق الأذى الذي لحق بالضحايا من جرّائها.

في الحلقة المقبلة، سنعرض لجهود غالبريث في تحليل مجموعة بيانات شمال العراق ووصف محتوياتها، وظروف نقلها إلى الولايات المتحدة والنقاشات التي أثارتها هناك، ثم عودتها إلى بغداد عام 2005.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق