الأحدثتقارير

تقصي ثروة رياض سلامة في أوروبا: شركات وعقارات و”5 أبعاد من المتعة”

استثمرت شركات خارجية (أوفشور) مملوكة لحاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة بهدوء في أصول خارجية، بلغت قيمتها نحو 100 مليون دولار أميركي في السنوات الأخيرة، فيما كان سلامة يشجع الآخرين على الاستثمار في بلاده.

وتنتشر شائعات في بيروت منذ سنوات حول الثروة التي يملكها سلامة في الخارج، لكن حجم الاستثمارات الخاصة بالرجل، الذي يُعَد أبرز مسؤول مالي رسمي في لبنان، ظل سرياً حتى الآن.

تتبع صحافيون من”مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود” occrp وشريكهم اللبناني موقع “درج”  الاستثمارات الواسعة لسلامة في الخارج. وتوحي الحسابات أنه وفي معظم الحالات تم تمويل هذه الاستثمارات من خلال استدانة عشرات الملايين من اليورو على شكل ائتمانات من دون ضمانات.

لقد توجّه جزء كبير من أموال سلامة إلى المملكة المتحدة، وهي وجهة مفضلة للمستثمرين الأجانب الذين يبحثون عن مكان سري لتنمية ثرواتهم. وتملك الشركات الأجنبية ذات المالكين غير المعلنين عقارات تُقدَّر قيمتها بأكثر من 84 مليار جنيه أسترليني (104 مليارات دولار أميركي) في إنكلترا وويلز، الأمر الذي دفع إلى المطالبة بمزيد من الشفافية في المملكة المتحدة.

وقال سلامة، عندما تواصل معه مشروع occrp، إنه لم يخرق أي قوانين، فهو جمع “ثروة خاصة كبيرة” قبل انضمامه إلى المصرف المركزي عام 1993، و”لا شيء يمنعني من استثمارها”.

ومن غير الواضح ما إذا كان الاستثمار الخارجي (الأوفشور) ينتهك أي قوانين لبنانية. لكن الكشف عن استثمارات سلامة في الخارج يأتي فيما ينحدر لبنان إلى أزمة مالية، يلقي لبنانيون كثيرون اللوم فيها على أسلوب إدارته لمصرف لبنان. وفي مقال لصحيفة فاينانشال تايمز مؤخراً اعتمد على تحليل وثائق مدققة تم تسريبها، اتُّهم حاكم مصرف لبنان بأنه عزز بشكل تعسفي أصول البنك المركزي  بما لا يقل عن 6 مليارات دولار من خلال استخدامه أساليب غير تقليدية.

ويعزو سلامة أي انتقاد يطاوله إلى موقف سياسي و”حملة ممنهجة” ضده.

لم يقل شيئاً في العلن عن ثروته الكبيرة، المستثمَرة بأمان في أوروبا منذ ما قبل الأزمة الحالية بفترة طويلة وخلال الفترة التي شملها التحقيق. 

في تموز/ يوليو، اتهمت مجموعة من المحامين اللبنانيين سلامة رسمياً بارتكاب انتهاكات متعددة لقانون العقوبات اللبناني، بما في ذلك اختلاس أصول لمصرف لبنان وسوء إدارة أموال عامة. وحدد أحد القضاة موعداً لجلسة الاستماع في تشرين الأول/ أكتوبر. وصدرت أوامر بمصادرة أصول سلامة، بما في ذلك عقاراته ومركبات تخصّه، أو تجميدها.  لم يعلق سلامة علناً على هذه القضية لكنه وصف لـoccrp هذه القضية المحركة ضده بأن “لا أساس لها”.

استهداف الحاكم

في الحمراء، وهي منطقة مركزية صاخبة للأعمال تقع بالقرب من الجامعة الأميركية في بيروت، تشير كتل خرسانية ثقيلة موضوعة حديثاً ومحاطة بالأسلاك الشائكة إلى وضع جديد وغير طبيعي. ويحمي الجدار الجديد حول مبنى مصرف لبنان مؤسسة مالية ورجلاً يتعرضان الآن لهجوم عام.

وعلى مدى نحو ثلاثة عقود، كان سلامة يُعتبَر عبقرية مالية وضامناً من دون منازع لاقتصاد لبناني قوي، أو شخصية وطنية، وأفضل من يُطرَح كمرشح لرئاسة الجمهورية.

لكن تلك الصورة شُوِّهت في الأشهر الأخيرة.

ويُعَد العنوانان “رياض سلامة حرامي” و”يسقط الحاكم” من العناوين الشائعة في عدد لا يُحصَى من الشعارات والرسوم الكاريكاتورية التي رُشَّت على الجدران والنوافذ في أنحاء بيروت كلها.

ووصف وزير الاقتصاد اللبناني المستقيل راوول نعمة لبنان بأنه “دولة فاشلة” في إشارة إلى الأزمة الاقتصادية المستمرة. .

وتطور الغليان الشعبي الى مواجهات في الشوارع في وسط بيروت بعد الانفجار الكبير في مرفأ العاصمة والذي خلف دماراً هائلاً جراء اهمال وفساد تسببا بتخزين 2750 طناَ من نيوترات الأمونيوم بشكل فوضوي في عنابر مهجورة.

اقتحم المتظاهرون عدة مباني حكومية من بينها وزارات الاقتصاد والخارجية والطاقة وأقاموا مشانق رمزية لكل رموز الطبقة السياسية بما فيهم رئيسي الجمهورية والبرلمان وزعيم حزب الله.

يوم الإثنين قدم رئيس الوزراء حسان دياب وفريقه استقالاتهم . وبقي سلامة في منصبه. لكن “جريمة” المرفأ ينظر إليها على أنها الحلقة الأخيرة في مسلسل الغضب في بلد يعاني أزمات متنوعة وانهيار مالي .واقتصادي يعزى على الفساد المتأصل والإهمال

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، حذر البنك الدولي من أن نصف سكان لبنان باتوا على حافة الفقر. وتسببت الأزمة بفوضى اقتصادية، وبأول حالة على الإطلاق من حالات العجز عن سداد الديون السيادية، وبتزايد في معدلات البطالة وفي أسعار المواد الغذائية. كما خسرت الليرة اللبنانية نحو 70 في المئة من قيمتها أمام الدولار. واحتدمت التظاهرات في الشوارع على مدى أشهر، فيما ألقى المتظاهرون زجاجات حارقة على المصارف وأجهزة الصراف الآلي، وكانت قوى الأمن تردّ بالرصاص المطاطي

ومن بين الشكاوى الأكثر شيوعاً وسماعاً: لقد دعم سلامة لسنوات سياسات الإقراض المصرفي التي شجعت الإنفاق الحكومي المفرط، ما جعل لبنان غير قادر على سداد ديون مرهقة. وعندما انهار الاقتصاد عام 2019، نقلت النخبة ثرواتها إلى حسابات خارجية، فيما فرضت القيود على التحويلات والسحوبات على الناس العاديين وعلى مدخراتهم، ما جعلهم يكافحون من أجل البقاء. وقال آلان بيفاني، المدير العام لوزارة المال الذي استقال من منصبه في حزيران/ يونيو 2020، إنه تم تهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار خارج لبنان منذ بدء الأزمة المالية.

وكان مدعون عامون لبنانيون طلبوا في كانون الثاني/ يناير من لجنة تحقيق في المصرف المركزي تحديد حجم الأموال التي حُوِّلت إلى سويسرا منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتحديد ما إذا كان مصدر الأموال مشبوهاً.

سلامة باشر تحقيقاً في ذلك، لكنه لم يقل شيئاً في العلن عن ثروته الكبيرة، المستثمَرة بأمان في أوروبا منذ ما قبل الأزمة الحالية بفترة طويلة وخلال الفترة التي شملها التحقيق.

ندي رياض سلامة

شؤون عائلية

بعد 6 أيام فقط من الإعلان عن التحقيق في المصرف المركزي، حصلت شركة في لوكسمبورغ تعود ملكيتها إلى سلامة على 11 مليون جنيه إسترليني (14.3 مليون دولار) من خلال بيع أصل أساسي في المملكة المتحدة تم الاستحواذ عليه عام 2013.

ومرت الصفقة من دون أن يلاحظها أحد في لبنان. فاسم سلامة لم يظهر في أي مكان في سجلات البلاد. ولسنوات، بقي حاكم المصرف المركزي قادراً على حماية هذه الاستثمارات من التدقيق العام أو الرقابة العامة، من خلال وضعها في الأغلب بأسماء أفراد الأسرة المقربين الذين يديرون شركات نيابة عنه. وهذا بينما يتم التعامل مع الاستثمارات الأخرى من خلال شركات تؤسس في ملاذات آمنة “أوفشور”، لا تتطلب الإفصاح العلني عن الملكية المستفيدة إلا قليلاً، أو لا تتطلبه على الإطلاق.

أحد العقارات التي استعرضها occrp شملت الملكية المستفيدة العائلية والملكية المستفيدة المخفية معاً: شقة بقيمة 3.5 مليون جنيه إسترليني (4.1 مليون دولار أميركي) في برودوك هاوس، وهو مبنى يطل على هايد بارك بالقرب من قاعة رويال ألبرت في واحد من الأحياء اللندنية الأكثر إثارة للحسد.

وشكلت الشقة الفسيحة منزلاً مثيراً للإعجاب لندي سلامة، نجل حاكم المصرف. لكن الشاب البالغ من العمر وقتها 26 سنة لم يكن المالك القانوني للشقة التي أدرجها بوصفها عنوانه في وثائق رسمية تعود إلى 2013.

وكان العقار مملوكاً لـ”ميريون كابيتال إس إيه”، وهي شركة غامضة مسجلة في بنما اشترت الشقة الفاخرة في أوائل 2010. وأخفى المالكون الحقيقيون هويتهم من خلال مكتتبين من بنما : مكتتبين مرشحين نفذوا عمليات تأسيس لآلاف الشركات بالإنابة عن زبائنهم… ومؤسس شركة وصاية (ترست) في إمارة ليختنشتاين أدرج إسمه كمدير ورئيس لماريون كابيتال.

عام 2014 أصبح ندي سلامة مديراً في شركة “سكان برودوك هاوس ليميتد”، التي تدير المبنى. وهو لم يكن المالك القانوني للشقة حتى كانون الثاني 2017، عندما نُقِل العقار غير المرهون إلى اسمه بعد شهر من عيد ميلاده الـ30.

 

ولسنوات، بقي حاكم المصرف المركزي قادراً على حماية هذه الاستثمارات من التدقيق العام أو الرقابة العامة، من خلال وضعها في الأغلب بأسماء أفراد الأسرة المقربين الذين يديرون شركات نيابة عنه. وهذا بينما يتم التعامل مع الاستثمارات الأخرى من خلال شركات تؤسس في ملاذات آمنة “أوفشور”. 

 

وتظهر وثائق نقل الملكية المودعة لدى السجل العقاري في المملكة المتحدة أن “ميريون كابيتال” نقلت العقار في 3 كانون الثاني 2017 إلى رياض سلامة، الذي وقع بياناً ينص على أن التحويل “لم يكن من أجل المال أو أي شيء له قيمة نقدية”. ويشير البيان إلى أن “ميريون كابيتال” كانت طرفاً ذا صلة في عملية النقل. ولكن العملية لم تتضمن أي تبادل للأموال. وفي اليوم التالي، نقل سلامة العقار إلى ابنه. وحُلَّت “ميريون كابيتال” بعد أسابيع. وسأل مشروع occrp رياض سلامة عما إذا كان هو المالك المستفيد لـ”ميريون كابيتال”، فلم يجب.

ولم يكن العقار في “برودوك هاوس” المثال الوحيد على اختلاط الأصول الخارجية بين سلامة وابنه.

فابتداء من 2011، عُيِّن ندي سلامة مديراً في الكثير من الشركات الاستثمارية الأوروبية. ووافق على عدد كبير من الاستثمارات العقارية بملايين اليورو في كل أنحاء أوروبا، بما في ذلك مبنى رئيسي للمكاتب في حي المحاكم الشهير في لندن. وكان المستفيد الحقيقي من هذه الصفقات والده رياض، الذي استثمر عشرات ملايين اليورو في فرص عقارية في ثلاثة بلدان أوروبية، مستخدماً توقيع ابنه.

وأصبحت الاستفادة النهائية لسلامة علنية الآن لأن لوكسمبورغ غيرت عام 2019 القانون الخاص بسجل الشركات لديها الذي كان مبهماً، امتثالاً منها لمعايير الاتحاد الأوروبي للكشف عن المالكين المستفيدين. ويُعرَّف المالك المستفيد بحسب سجل شركات “لوكسيمبورغ”بأنه “أي شخص طبيعي يملك (شركة) أو يتحكم بها في نهاية المطاف”.

وبحسب هذا السجل،  يملك سلامة ثلاث شركات أو يتحكم بها: “بي آر 209 إنفست إس إيه”، و”فولوود إنفست إس إيه آر إل”، و”ستوكويل إنفستيسمان إس إيه”. ومنذ 2011، يعمل ابنه مديراً في ما لا يقل عن 7 شركات استثمارية ذات صلة في لوكسمبورغ وألمانيا وبلجيكا.

ولدى ندي خبرة في إدارة ثروة الأشخاص أصحاب الثروة الصافية الكبيرة. فقبل ثلاث سنوات من بدء التعامل مع صفقات والده، عمل في “كروسبريدج كابيتال”، وهي شركة مقرها لندن، أسسها عام 2008 أعضاء سابقون في وحدة إدارة الثروات في المملكة المتحدة التابعة لمصرف كريدي سويس.

وكانت لـ”كروسبريدج كابيتال” علاقات قوية مع نخبة الأعمال والمصارف في لبنان. وكان من بين المساهمين المؤسسين لها نبيل عون، الرئيس السابق لجمعية الوسطاء الماليين اللبنانيين. وفي وقت لاحق، استثمر في الشركة رامي النمر، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لـ”فرست ناشونال بنك اللبناني”، ورولان الهراوي، وهو مساهم آخر في المصرف نفسه، فيما أصبح فيليب صيدناوي، الرئيس التنفيذي للأعمال المصرفية الخاصة في “بنك عودة” سويس، مديراً عندما قام البنك ومقره جنيف بشراء حزمة أسهم في الشركة عام 2016.

 

ولا يُعرف مصدر هذه الأموال المزعومة. ورفض ندي سلامة التعليق عندما اتصل به occrp. وقالت “كروس بريدج كابيتال” في ردها الإلكتروني على occrp “إن السيد رياض سلامة لم يكن في أي وقت من الأوقات مسؤولاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن إدارة أصول عملاء”. 

 

وكان ندي سلامة، البالغ من العمر في ذلك الوقت 21 سنة والذي أنهى للتو تدريباً داخلياً في “ميريل لينش” و”كريدي سويس” و”يوليوس باير”، من أوائل موظفي “كروس بريدج كابيتال”. وفي غضون ثلاث سنوات، اجتذب 100 مليون جنيه إسترليني (158 مليون دولار أميركي) من الأصول الخاضعة لإدارته من إجمالي محفظة الشركة المقدرة بملياري دولار، وفق نشرة لقطاع إدارة الثروات صادرة عام 2011.

ولا يُعرف مصدر هذه الأموال المزعومة. ورفض ندي سلامة التعليق عندما اتصل به occrp. وقالت “كروس بريدج كابيتال” في ردها الإلكتروني على occrp “إن السيد رياض سلامة لم يكن في أي وقت من الأوقات مسؤولاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن إدارة أصول عملاء”.

وعندما اتصل “درج” بفيلتمان اكتفى بالقول: “أفضّل عدم التعليق على معلومات، كان مقصوداً أن تكون خاصة”. 

“ميل إلى السرية”

وفي حين كان سلامة نجماً مصرفياً دولياً، واجه دائماً انتقادات بسبب أسلوب إدارته. وتكشف البرقيات الديبلوماسية الأميركية التي نشرتها ويكيليكس عن مخاوف عميقة في شأن احتمال تولي سلامة رئاسة البلاد.

ففي برقية في آذار/ مارس 2007، تحدّث السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان عن “ميل إلى السرية والاستقلالية خارج نطاق القانون في المصرف المركزي، والتقارب السابق مع القادة السوريين، وعدم الرغبة في الكشف عن كمية صافي احتياطات لبنان من النقد الأجنبي، ومقاومة الرقابة ضمن برنامج لصندوق النقد الدولي”.

وخلص إلى أن “جوانب من سجل سلامة قد لا تبشر بالخير بالنسبة إلى رئاسة شفافة”.

وعندما اتصل “درج” بفيلتمان اكتفى بالقول: “أفضّل عدم التعليق على معلومات، كان مقصوداً أن تكون خاصة”.

ولم يترشح سلامة للرئاسة أبداً. وزادت الشكاوى حول طريقة إدارته السرية بعد ظهور اسمه في سويسليكس، وهي مجموعة من السجلات المصرفية التي نشرها عام 2015 أحد المبلغين، كان يعمل في مصرف “إتش إس بي سي”.

وكشف التسريب عن أن رياض سلامة المالك المستفيد لحساب في الذراع المصرفية الخاصة بـ”إتش إس بي سي” في جنيف. وسُجِّل الحساب لدى شركة في جزر العذراء البريطانية، وهي “نارانوري ليميتد”، وكان رصيده 4.6 مليون دولار أميركي بين عامي 2006 و2007.

وأُدرِجت مهنة سلامة في سند التسجيل على أنها “مدير ميريل لينش في باريس”، على رغم أن الملفات تشير إلى فتح حساب نارانوري في جنيف عام 2003، بعد عقد من الزمن من انتقال سلامة من “ميريل لينش” إلى المصرف المركزي.

 

من غير الواضح إذا كان مبلغ 94 مليون دولار أميركي من الأصول الاستثمارية الخارجية التي يتحكم بها من خلال شركات الاستثمار في لوكسمبورغ لها علاقة ب الـ23 مليون دولار التي جمعها قبل عبور بوابة المصرف المركزي اللبناني.

 

 

ورداً على سؤال حول هذا التناقض، قال سلامة لـoccrp عبر البريد الإلكتروني إن الحساب فُتِح عام 1989 في إشارة على ما يبدو إلى حساب شخصي منفصل فُتِح في تشرين الثاني 1988. ومع ذلك، لم تُؤسَّس نارانوري حتى عام 2003، أي بعد 15 سنة.

كذلك كشفت سويسليكس أن رجا سلامة، الشقيق الأصغر للحاكم، كان المالك المستفيد لحساب خاص في “إتش إس بي سي” في جنيف فُتِح في أوائل عام 2002.

وكان هذا الحساب ملكاً لـ”فوري أسوسيتس ليميتد”، وهي شركة أُنشِئت في جزر العذراء البريطانية عام 2001. وكان رصيد حساب شركة “فوري” أكثر من 5.8 مليون دولار أميركي في عامي 2006 و2007.

وكانت شركتا “نارانوري” و”فوري” مملوكتين للمساهم “المرشح” نفسه، نوميهولد سكيوريتيز إنكوربوريشن. وأدار كلاً منهما موساك فونسيكا، مكتب المحاماة البنمي ومزود الخدمات للشركات الذي اشتهر بعد تسريبات “وثائق بنما” عام 2018.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى occrp، قال رجا سلامة: “إنني أملك شركات خاصة واستثمارات في قطاع العقارات والضيافة، محلياً ودولياً، باستخدام أموالي الخاصة فقط”.

“مستثمر خاص مموَّل تمويلاً جيداً”

تناسلت التكهنات حول الشؤون المالية الشخصية لرياض سلامة مرة أخرى في وقت سابق من هذا العام، عندما أوردت وسائل إعلام لبنانية مزاعم بأن مقربين منه ساعدوا في نقل ثروة هائلة إلى الخارج. واستندت التقارير إلى ملف قيل إن “كريستال كريديت”، وهي شركة فرنسية لاستخبارات الأعمال، أعدته.

وفي حين لاقى الملف تغطية إعلامية على نطاق واسع، لم نتمكن من التحقق منه في شكل مستقل. ووصفه رياض سلامة بأنه “مزور” وقال لـoccrp، “إن كريستال كريديت تنفي علاقتها بالملف”. ولم ترد الشركة على طلبات بإجراء مقابلات تقدم بها صحافيو occrp. وتنفي “كريستال كريدت” في مقابلة صحافية مع وسيلة إعلام لبنانية أي علاقة لها بهذا الملف.

لكن الحقيقة، أنه نقل الكثير من الأموال إلى الخارج. فقد أمضى رياض سلامة، الذي وصفه أحد شركاء الأعمال بأنه “مستثمر خاص مموَّل تمويلاً جيداً”، العقد الماضي في اغتنام فرص استثمارية مربحة في أنحاء أوروبا.

وبحلول نهاية 2018، قُيِّمت أصوله بنحو 94 مليون دولار أميركي، وفق الميزانيات العمومية المنشورة للشركات التي يتحكم بها سلامة في لوكسمبورغ. وتم الحصول على الأصول بأموال مقترضة مدرجة في الميزانيات العمومية تحت بند “مطلوبات”، على رغم أن مصدر التمويل لم يُكشَف عنه في الوثائق التي أودعتها الشركات.

وقال سلامة، الذي ظهر على شاشة التلفزيون في بيروت في 8 نيسان/ أبريل 2020 بعدما انتشر الملف الشهير لـ”كريستال كريديت”، إن ثروته الصافية كانت تبلغ 23 مليون دولار أميركي عندما انتقل إلى العمل في المصرف المركزي عام 1993، وتضمنت أرباحاً من مسيرته المصرفية التجارية الناجحة وأصولاً ورثها عامي 1978 و1982.

لكن الحاكم لم يتحدث عن استثماراته في الخارج. ومن غير الواضح إذا كان مبلغ 94 مليون دولار أميركي من الأصول الاستثمارية الخارجية التي يتحكم بها من خلال شركات الاستثمار في لوكسمبورغ لها علاقة ب الـ23 مليون دولار التي جمعها قبل عبور بوابة المصرف المركزي اللبناني.

وقال في مقابلة حصرية مع محطة “أم تي في” التلفزيونية: “كما ينص القانون، لا يمكنني الانخراط في أي نشاط (أعمال) لأنني بحاجة إلى تكريس وقتي لعملي كحاكم للمصرف المركزي. لقد أعطيت هذا المال لأشخاص ذوي خبرة وأشخاص أثق بهم استثمروه على مدى السنوات الـ27 الماضية”.

والقانون المذكور هو المادة 20 من قانون النقد والتسليف اللبناني، التي تنص على أن الحاكم ونوابه “يحظر عليهم خلال مدة ولايتهم أن يحتفظوا أو أن يأخذوا أو يتلقوا أي منفعة في مؤسسة خاصة”. و”المنفعة” معرّفة بأنها “كل مساهمة أو اشتراك بأي شكل أو أي وسيلة كانت، حتى بطريق الإقراض البسيط”. ويسمح القانون للحاكم بامتلاك محفظة سندات مالية مصدرة من شركات مغفلة.

والكثير من الشركات التي يتحكم بها سلامة أو التي يملكها في شكل غير مباشر مخولة قانوناً للقيام بأعمال تتجاوز حدود المادة 20 من الاستثمارات السلبية في المحافظ. مثلاً، في إمكان إحدى شركاته البلجيكية الحصول على أسهم خاصة وفوائد تمويلية ومالية، والعمل كشركة قابضة، ومنح قروض.

وقال علي زبيب، وهو محام وخبير في التنظيم المصرفي والمالي الدولي يقيم في بيروت، إنه يعتقد بأن استثمار سلامة في الخارج ينتهك القانون.

ورأى زبيب أنّه: “إضافة إلى أن ذلك فإنه يزيد الشكوك التي تحيط بالأشخاص المنكشفين سياسياً ممن يملكون استثمارات في الخارج، ويلمح إلى نيات خبيثة ومحاولات لإخفاء مصادر فعلية للمال، ويُعَتبر القانون اللبناني واضحاً ومكثفاً جداً لجهة منع الحاكم ونوابه من مزاولة أي نوع من الأعمال ومن الحصول على أي فوائد أو أخذها أو التمتع بها، وتشمل هذه الأعمال، على سبيل المثال لا الحصر، الاستثمارات الخارجية”.

ووافق على تقييم زبيب الأستاذ نزار صاغية، وهو محام لبناني ومؤسس مشروع “المفكرة القانونية”، وهي مرصد لمراقبة القانون والسياسات العامة في بيروت.

وقال صاغية إن “مجرد امتلاك شركة خارجية في بلدان تُعتبَر إلى حد كبير ملاذات ضريبية هو في حد ذاته عمل مشبوه ويثير تساؤلات حول النية الكامنة وراء القيام باستثمارات سرية ومبهمة تفتقر إلى الشفافية إلى حد كبير”.

لكن إبراهيم نجار، وزير العدل اللبناني السابق الذي يدرّس القانون حالياً في جامعة القديس يوسف، قال لـ”درج” إنه لا يعتقد أن سلامة خرق القانون من خلال استثماراته هذه.

لكن نجار يلوم سلامة بسبب تصريحاته العلنية التي “خدعت المستثمرين والمغتربين، إذ أعطاهم انطباعاً خاطئاً بأنهم إذا جلبوا أموالهم إلى لبنان سيصبحون أغنياء”.

مصالح مخفية

عندما يتعلق الأمر بالأعمال، تُحجَب هوية سلامة والعلاقة بين مصالحه المؤسسية بطرق مختلفة.

فقد تأسست “ستوكويل إنفستيسمان إس إيه” في منتصف عام 2015 برأسمال قدره 5 ملايين يورو، وبدت مثل أي شركة استثمارية أخرى في لوكسمبورغ. ولم تُسجَّل مهنة المساهم الوحيد فيها، رياض سلامة، إلا باسم “مدير مصرف”، من دون تسمية المصرف.

وبعد أربعة أشهر، دفعت “ستوكويل إنفستيسمان” 6.38 مليون يورو (6.76 مليون دولار أميركي) لشراء عقارات تجارية راقية وأربعة أماكن لوقوف السيارات في مبنى فيليتزشترازه 7-9، في وسط ميونيخ في ألمانيا.

وقامت الشركة باستثمارها العقاري الثاني في كانون الثاني 2017، إذ دفعت 3.4 مليون يورو (3.64 مليون دولار أميركي) لقاء عقار مخصص للبيع بالتجزئة في حي غارتنربلاتز الأنيق في ميونيخ.

وفي نهاية 2018، أعلنت “ستوكويل إنفستيسمان” عن 14.4 مليون يورو (16.4 مليون دولار أميركي) من الأصول المتداولة، كلها تقريباً مستثمرة في الأوراق المالية، كما تظهر ميزانيتها العمومية. ومع شراء العقارين في ميونيخ، اقترب إجمالي أصول “ستوكويل إنفستيسمان” من 24.2 مليون يورو (27.6 مليون دولار أميركي).

 

وأخفى ندي سلامة والخوري مشاركة الحاكم من خلال “فولوود” في أكثر من 32 مليون جنيه إسترليني (نحو 40.6 مليون دولار أميركي) من العقارات التجارية في المملكة المتحدة على مدى 8 سنوات بدءاً بعام 2012

 

وعلى رغم حجمها الكبير، فإن صفقات “ستوكويل إنفستيسمان” تبدو صغيرة مقارنة بصفقات “فولوود إنفست إس إيه آر إل”، وهي شركة أخرى في لوكسمبورغ يتحكم بها رياض سلامة. ولم تكشف “فولوود إنفست” عن مشاركة رياض سلامة حتى طُلِب منها ذلك عام 2019. فحتى ذلك الحين، لم تظهر وثائق الشركة سوى مديريها، ندي سلامة ومروان عيسى الخوري، ابن شقيقة سلامة اللذين شكلا واجهة لشركات استثمارية كثيرة، معروف الآن أن ملكيتها المستفيدة تعود إلى سلامة.

وأخفى ندي سلامة والخوري مشاركة الحاكم من خلال “فولوود” في أكثر من 32 مليون جنيه إسترليني (نحو 40.6 مليون دولار أميركي) من العقارات التجارية في المملكة المتحدة على مدى 8 سنوات بدءاً بعام 2012.

من بين استثمارات شركة “فولوود هاوس”، مبنى رئيسي للمكاتب في قلب تشانسري لاين، وهو حي مرموق للمحاكم في لندن. وقد أُبرِمت الصفقة العقارية عام 2012 في مقابل 5.9 مليون جنيه (9.44 مليون دولار أميركي)،  ومكاتب في حديقة للأعمال خارج بريستول، على بعد أقل من ساعتين بالقطار من لندن. ودفعت شركة “فولوود إنفست” 10.5 مليون جنيه إسترليني (نحو 16 مليون دولار أميركي) ثمناً للعقار في الصفقة التي تمت في تموز2013. ووقع ندي سلامة أوراق العقارين بالاضافة الى عقار تجاري من سبع طبقات في مدينة ليدز في نوفمبر 2013 في مقابل عشرة ملايين جنيه استرليني (حوالي 16 مليون دولار)

واشترت الشركة مبنى للمكاتب في برمنغهام مقابل 5.45 مليون جنيه إسترليني (حوالى 6.9 مليون دولار أميركي) في 2016. وفي كانون الثاني، باعت الشركة عقار ليدز، ووقع الخوري الصفقة التي بلغت قيمتها 11 مليون جنيه إسترليني (14.32 مليون دولار أميركي).

ترتبط شركة “ستوكويل إنفستيسمان” باستثمارات أخرى لعائلة سلامة من خلال مديرها غابريال جان وهو بلجيكي يمتلك شركة تدقيق في لوكسمبورغ اسمها CFD Consulting . قبل “ستوكويل إنفستيسمان” قام جان بادارة شركة أخرى مرتبطة بالعائلة اسمها bet SA التي تأسست أوائل عام 2007 ملكت 99%من وهي شركة فرنسية للاستثمار العقاري .

وتظهر السجلات أن “زد إي إل” اشترت عقاراً بقيمة 2.4 مليون يورو (3.23
مليون دولار أميركي) في الدائرة السادسة عشرة الفاخرة في باريس. لكن
الوثائق المودعة من المساهمين في “زد إي إل” تشير إلى أن الصفقة كانت مجرد
جزء صغير من النشاط الاستثماري للشركة.
وابتداءً من عام 2007، و”بيت إس إيه” تقرض سنوياً ملايين اليورو إلى “زد إي
إل”. وخلال 8 سنوات أمضاها رجا سلامة مديراً وحيداً لـ”زد إي إل”، ارتفع
إجمالي المبلغ إلى 17.2 مليون يورو (18.8 مليون دولار أميركي). ومع
الفائدة، أصبحت “زد إي إل” تدين لشركتها الأم، بحلول 2015، بأكثر من 2
مليون يورو (22 مليون دولار أميركي).

ولم يُكشَف الغرض من هذا التمويل في الوثائق المودعة المتاحة، لكن الشكل القانوني لـ”زد إي إل”، يشير إلى أن التمويل استهدف الاستثمار في أصول عقارية.
ولم يملك رياض سلامة أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في “بيت إس إيه” أو
“زد إي إل”. وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى occrp، وصف رجا سلامة نفسه بأنه “مستثمر
مستقل تماماً، يملك شركات”، “باستخدام أموالي الخاصة فقط”.

 

 

 

عمليات عابرة للقارة الأوروبية

تمتد جادة لويز لثلاثة كيلومترات تقريباً بين وسط بروكسيل وحديقة بوا دي لا كامبريه، وتنتشر فيها محال لبيع العلامات التجارية للأزياء العالمية الفاخرة ومبان مشيّدة وفق الفن الحديث وسفارات. وفي هذا المكان، لمحت إحدى الشركات المتفرعة عن إحدى شركات رياض سلامة في لوكسمبورغ فرصة للربح عام 2012.

وفي بيان صحافي، أشارت “أردستون كابيتال”، وهي شركة لإدارة الاستثمارات العقارية مقرها لندن، إلى مبنى من 7 طوابق يقع في الشارع المذكور في بروكسيل: “تلقينا عرضاً عادلاً جداً من مستثمر خاص ممول تمويلاً جيداً. لقد بيع المبنى إلى مشترٍ خاص في الشرق الأوسط”.

ولفتت أردستون إلى أن سعر البيع بلغ نحو 8 ملايين يورو (9.5 مليون دولار أميركي).

وكان المشتري “لويز 209أ 2″، وهي شركة بلجيكية أُنشِئت قبل أسابيع فقط من الصفقة وكان ندي سلامة مديرها. أما المستفيد الحقيقي فهو رياض سلامة، على رغم أن اسمه لم يظهر في أي مكان في وثائق الشركة عام 2012.

وكانت أسهم “لويز 209أ 2” مملوكة لـ”بي آر 209 إنفست إس إيه”، وهي شركة في لوكسمبورغ مملوكة بالكامل لـ”كومتك إس إيه”، وهي شركة أخرى في لوكسمبورغ تشاركت مع “بي آر 209 إنفست”، العنوان المؤسسي نفسه.

وتملك “لويز 209أ 2” وشركة شقيقة هي “لويز 209أ 1″، التي يديرها الخوري حالياً العقار الواقع في بروكسيل. وعلى موقعها الإلكتروني، تظهر “أردستون” مشاركتها في صفقة أخرى مرتبطة برياض سلامة:

يُعَد سبيديشنستراس 13أ مبنى لافتاً للمكاتب من الطوب الأحمر في منطقة لإعادة التطوير التجاري عليها طلب كبير، وتقع على الأرصفة التقليدية لنهر الراين في دوسلدورف. وهو معروف باسم “الفيلا”، نظراً إلى مظهره التاريخي العريق داخل مجموعة من المباني الحديثة.

لقد تم الحصول على العقار مقابل 4.85 مليون يورو (6.3 مليون دولار أميركي) “نيابة عن عميل خاص” وفق بيان صحافي صدر عن “أردستون” في تشرين الأول 2012. كما أشار البيان الصحافي إلى الاستحواذ، لمصلحة العميل الخاص نفسه، على “فولوود هاوس”، وهو عقار في لندن اشترته “فولوود إنفست” التابعة لرياض سلامة في العام نفسه.

ويبدو أن العقار مرتبط بـ”دوك 13-فيلا جي إم بي إتش، وهي شركة ألمانية أسستها للمرة الأولى عام 2005 شركة تابعة لـ”إيه إف آي إيه إيه”، وهي شركة سويسرية للاستثمار العقاري.

وعام 2012، اشترت “بي آر 209 إنفست” 94 في المئة من أسهم “دوك 13-فيلا جي إم بي إتش”. واكتتب ندي سلامة والخوري في البقية. ورفضت أردستون التعليق على هذه المسألة عندما راسلها صحافيو occrp.

وتظهر أحدث ميزانية عمومية لـ”دوك 13- فيلا جي إم بي إتش” أن إجمالي الأصول بلغ 4.03 مليون يورو (4.7 مليون دولار أميركي)، منها 3.12 مليون يورو (3.6 مليون دولار أميركي) من الأصول الثابتة.

وتُعَد “بي آر 209 إنفست” أيضاً الجهة المساهمة صاحبة الأغلبية في “إتش- إنفست جي إم بي إتش”، وهي شركة ألمانية أخرى يديرها ندي سلامة. وتورد أحدث ميزانية عمومية لـ”إتش- إنفست جي إم بي إتش” إجمالي أصول يزيد عن 8.9 مليون يورو (10 ملايين دولار أميركي).

تظهر حسابات بي آر 209 انفست لنهاية 2018 أن الشركة حصلت على ائتمانات بعشرات الملايين من اليورو بدون وضع ضمانات مقابل القروض. ولم يتم الافصاح عن مصادر هذا التمويل.

وأُنشأ مديرو شركة “دي دبليو آي”، عام 2010، “دبليو بي إتش 51” وهي شركة للتطوير العقاري مقرها هامبورغ، بيعت إلى “إتش-إنفست جي إم بي إتش” والخوري في أوائل عام 2016.

ماريان حويك

شركاء أوفشور في الخارج

كانت ماريان حويك شخصية عامة في بيروت منذ عام 2007 عندما عُيّنت وصيفة ملكة جمال لبنان السابقة، لإدارة مكتب سلاكة التنفيذي وهي في السابعة والعشرين.

وحويك، التي تُوصَف بأنها “اليد اليمنى” لسلامة و”محميته”، وصلت إلى الوظيفة المرموقة بعد فترة تدريب في المصرف المركزي. وشملت مسؤولياتها المعلنة “أي مهمة محددة بناء على طلب من سعادته”. وفي نيسان، أعلن سلامة تعيين حويك مستشارة تنفيذية أولى له، وهو منصب أُنشِئ خصيصاً لتنفيذ “أي مشروع يجده الحاكم مناسباً”.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى occrp، قالت حويك إنها أبلغت عن ملكيتها لـ”رايز إنفست” إلى مصرف لبنان عام 2012، وإن “ثروتي الشخصية أتت من عائلتي ومواردي الخاصة”. ولم ترد على طلبات أخرى للحصول على معلومات.

ويقول ملف “كريستال كريديت” الذي لا يمكن تأكيد صحته أن حويك ساعدت سلامة في أن يودع في الخارج ثروة هائلة في مصارف خاصة في إمارة ليختنشتاين وجيرسي وبنما.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى occrp، وصفت حويك الملف بأنه “تقرير كاذب وملفق”.

لكن حويك تشارك في نشاط مالي خارجي.

فالوثائق التي سُرِّبت في أوراق بنما التي اطلع عليها occrp و”درج”، تظهر أن حويك أُذِن لها بفتح حساب مصرفي خاص في سويسرا عام 2012.

ولم يعلن مصرف لبنان عن الحساب كجزء من الواجبات الرسمية لحويك أو واجبات المكتب التنفيذي، كما لم تكشف حويك علناً عن صلتها بأي أصول مصرفية سويسرية خاصة.

وتؤكد الوثائق أنها المساهم الوحيد في “رايز إنفست إس إيه”، وهي شركة تأسست في بنما في أواخر عام 2011.

وصُمِّمت “رايز إنفست” لتكون سرية. وأصدرت الشركة أسهماً لحامليها، وهي نوع من ضمانات الأسهم الخاصة التي تسمح للمالك بالبقاء مجهول الهوية. وقد حُظِرت هذه الممارسة في بنما عام 2013.

وبعد شهر واحد من تأسيس “رايز إنفست”، مُنِحت حويك توكيلاً عاماً. وبعد أسابيع، فتحت “رايز إنفست” حساباً مع فرع بنكا ديلا سفيزيرا إيتاليانا (بي إس آي) في جنيف، وهو مصرف سويسري خاص. ويظهر محضر اجتماع للشركة عُقِد في بنما في 17 شباط/ فبراير 2012 أن حويك تملك “الحق الوحيد في التصرف” بالحساب.

ولا تظهر المستندات المسربة رصيداً أو غرضاً للحساب. وتتطلب حسابات كهذه عادةً حداً أدنى للإيداع يساوي مئات آلاف الدولارات، بحسب ما قال موظف مصرفي يقيم في زيوريخ لـoccrp. وعلى النقيض من ذلك، كشفت حويك أخيراً أن راتبها الشهري في المصرف المركزي “لا يزيد عن 12 مليون ليرة لبنانية”، أو ما يقرب من 8 آلاف دولار أميركي، شهرياً.

وأشارت وثيقة لـ”رايز إنفست” قُدمت عام 2011 إلى موساك فونسيكا، وهي شركة منحلة الآن، عملت وكيلاً لتشكيل شركات، إلى أن الغرض من الشركة هو “الاحتفاظ بالأسهم”. ووقعت حويك في وقت لاحق بياناً وصفت فيه الشركة بأنها “شركة قابضة شخصية تحتفظ باستثماراتي في السندات والأسهم”.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى occrp، قالت حويك إنها أبلغت عن ملكيتها لـ”رايز إنفست” إلى مصرف لبنان عام 2012، وإن “ثروتي الشخصية أتت من عائلتي ومواردي الخاصة”. ولم ترد على طلبات أخرى للحصول على معلومات.

وتظهر الوثائق المسربة الإبلاغ عن “فقدان أو تدمير” لأسهم “رايز إنفست” لحاملها عام 2015 وإصدار شهادة أسهم جديدة باسم حويك.

ولا تزال الشركة نشطة لكن وضع حسابها السويسري غير واضح. فقد دُمِج “بي إس آي” مع مصرف سويسري آخر، هو “إي إف جي إنترناشونال”، بعد تحقيق جنائي عام 2016.

ولم تكن حويك الوحيدة من بين الزملاء البارزين لسلامة الذين ذكرت أسماؤهم في تسريب أوراق بنما عام 2016. فقد كُشِف عن سعد العنداري، الذي شغل منصب نائب الحاكم في عهد سلامة بين عامي 2009 و2019، كمساهم في شركة “فاينافستمنت هولدينغز إس إيه”، وهي شركة في جزر العذراء البريطانية.

وتنص المادة 20 من قانون النقد والتسليف اللبناني على منع نواب حاكم المصرف المركزي من حيازة مصالح في شركات خاصة. ولم يرد العنداري على طلب للتعليق تقدم به occrp.

“5 أبعاد من المتعة” 

أما زوج حويك، ألكسندروس أندريانوبولوس، فهو مؤسس أونيما، المطعم الراقي في منطقة مايفير بلندن. ويقع أونيما في مبنى من 5 طوابق يعود إلى القرن الثامن عشر وكان في يوم من الأيام مقر شركة كارتييه في لندن. ويعد المطعم مرتاديه بـ”5 أبعاد من المتعة” في مكان يضم نادياً خاصاً بأعضائه و”تِرّاساً” على السطح.

وتقف “ليمونثري ليميتد”، وهي شركة بريطانية تملكها حويك وأندريانوبولوس، وراء المطعم، لكن حويك نفت امتلاك أي مصلحة في ليمونثري عند الاتصال بها لغرض هذا التحقيق الصحافي الاستقصائي. وقد كتبت في رسالة بالبريد الإلكتروني تقول: “ليس لدي أي نشاط أعمال خارج لبنان بما في ذلك أعمال زوجي”. وتدرجها الوثائق المودعة لدى بيت الشركات (السجل الرسمي البريطاني للشركات) باعتبارها “شخصاً ذا تحكم كبير”، ما يعني أنها تملك ما لا يقل عن 25 في المئة من أسهم ليمونثري. وتُظهر وثيقة مودعة عام 2018 أنها وأندريانوبولوس يملكان نصف الشركة.

ويحظى أونيما بدعم من أموال كبيرة. ففي أواخر عام 2018، بلغ إجمالي أصول ليمونثري، بعد حسم المطلوبات الحالية، 1.8 مليون جنيه إسترليني (2.36 مليون دولار أميركي)، وفق حسابات غير مدققة وافق عليها أندريانوبولوس.

وتعلن الشركة عن قرض مصرفي بقيمة 4.2 مليون جنيه (5.4 مليون دولار أميركي). ولا تحدد وثائق الشركة الشروط أو المقرض.

دعوة إلى الشفافية 

تعتبر أطراف فاعلة في المجتمع المدني أن زيادة الشفافية في ملكية العقارات في المملكة المتحدة، واحد من أكثر الإصلاحات اللازمة لمنع الجريمة المالية.

وعلى غرار لوكسمبورغ، قدمت حكومة المملكة المتحدة في السنوات الأخيرة سجلاً للمالكين المستفيدين من الشركات. وعام 2019، التزمت بتقديم سجل عام مماثل للمالكين الحقيقيين للعقارات في المملكة المتحدة.

ويُعتبَر أكثر من 96 ألف عقار في إنكلترا وويلز مملوكاً لشركات في الخارج، وفق البيانات التي نشرها “سجل الأراضي لصاحبة الجلالة” في حزيران/ يونيو. ولا تُنشَر أسماء المالكين النهائيين لهذه العقارات لغاية اليوم.

وتقع شركات كثيرة في ملاذات ضريبية مثل بنما وجزر العذراء البريطانية، حيث لا معلومات عن المُلكية. وهناك شركات أخرى مسجلة في سلطات ضريبية منخفضة الشفافية مثل لوكسمبورغ التي باشرت الآن فقط سياسة الانفتاح.

وهذه، في حين توفر الملكية الخارجية السرية، فهي يمكن أن تسهّل أيضاً ارتكاب جرائم مالية مثل غسل الأموال والتهرب الضريبي. وهذا أحد الأسباب الرئيسة وراء الحملات لكشف المعلومات عن الملكية في قطاع العقارات في المملكة المتحدة.

وقال بن كاودوك من منظمة الشفافية الدولية في المملكة المتحدة إن “القدرة على شراء عقارات في بريطانيا بطريقة مخفية هي من الأسباب الرئيسة التي جعلت بريطانيا، وتحديداً لندن، وجهة اختيارية للراغبين في إخفاء أرصدتهم”.

استُخدِمت بيانات أتاحها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ في هذا التحقيق.

إقرأ أيضاً:

كان يمكن أن يكون مرشحاً رئاسياً!

 

خلال سنوات عدم الاستقرار في

المنطقة واصل رياض سلامة القيام بما يصب في مصلحته: الترفع عن الإشكاليات السياسية لكي يبقى الضامن الوحيد لاستقرار الاقتصاد المصرفي، ما يفيد الطبقة المتنفذة.

تحدث للمرة الأولى عن طموحه ليصبح رئيساً للبنان خلال عشاء خاص أقامه نادي الروتاري عام 2007.

عندما سأله أحدهم عن السياسة التي سيتبعها إذا ما انتخب رئيساً، نقل عنه قوله للحضور: “أعطوني الرئاسة وسأقول لكم!”.

ووجد مسح آراء قامت به وكالة “إبسوس” عام 2014 أن 75 في المئة من المستطلعين يعتقدون أنه سيكون هناك تأثير إيجابي لسلامة في الاقتصاد اللبناني في حال انتخب رئيساً.

يعد سلامة بين محافظي المصارف الوطنية الأكثر خدمة في العالم، إذ أبقى قبضته على اقتصاد لبنان لخمس فترات متتالية منذ تعيينه في المرة الأولى عام 1993. 

ونجح مراراً في النأي بنفسه عن الإشكاليات التي ضربت القطاع المصرفي اللبناني المعروف بسريته، ما ساعده في إعادة تعيينه خلال ما يقارب ثلاثة عقود.

وحصد المحافظ أيضاً دعماً دولياً. عام 2009، اختارته مجلة “بانكر”، “مصرفي الشرق الاوسط الأول”. وحصل على لقب مشابه من مجلة “يوروموني” عام 2006.

عام 2011 أتم سلامة بنجاح بيع البنك اللبناني الكندي بعدما  فرضت علي البنك غرامة 102 مليون دولار عقب اتهامه بغسيل مئات الملايين من الأموال، الناجم عن عمليات تهريب مخدرات من خلال النظام المصرفي الأميركي.

ولم يذكر الكثير عندما نفذ سلامه “هندسة مالية” نقلت من المصارف المحلية دولارات أميركية أودعت مقابل فوائد مرتفعة لبقاء الحكومة عائمة على السطح وهو النهج الذي بات من بين العوامل التي ساهمت في الأزمة الاقتصادية الحالية في لبنان.

“ما بين التسعينات ولغاية 2012، بغض النظر عما إذا كانت هناك عبقرية، أو معجزة أو محض مصادفة، ما قام به سلامة لم يكن سيئاً على الإطلاق، ولذلك مددت فترة رئاسته في كل مرة”، بحسب ما قال توماس شيلين، رئيس تحرير مجلة “اكسيكيوتيف” في لبنان لـ”درج”.

لكن آخرين مثل السفير الأميركي السابق في بيروت جيفري فيلتمان، يطرحون أسئلة حول طريقة إدارة حاكمية مصرف لبنان من قبل سلامة. وقال فيلتمان لـ”درج” إن الهندسات المالية أجّلت لحظة الحساب بالنسبة إلى اللبنانيين. وأضاف: “ما هو غامض بالنسبة إلي هو إرادته البقاء في هذا المنصب هذا الوقت كلّه، فيما هو يعرف جيداً حقيقة الوضع المالي في لبنان”. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق