تقارير

جبران ليس مخلصاً… “حزب الله” يعرف ذلك

كتب حازم الأمين : “حزب الله” سلطة، إلا أنه سلطة مضطرة إلى تقديم تنازلات في حقول تعتبرها غير مهمة. عندما تشعر بأن باسيل يفاوض على الانشقاق، وأن شرط الانشقاق قد نضج، فإن التصرف حياله سيكون مختلفاً.

لم تكشف السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا لـ”حزب الله” عن سرٍ عندما وشت بجبران باسيل وقالت إنه عرض انشقاقاً عن الحزب بأثمان تكتمت عنها السفيرة. “حزب الله” يعرف تماماً الحقل الشعوري الذي يتحرك فيه، ويعرف أيضاً أنه محاط بأوغاد سينقضون عليه عندما يحين الوقت. لكنه يعرف أن الوقت لم يحن، ولا يعنيه ما تخبئه الوجوه من نيات، ما دام على يقين بأن الـ”هيلا هو” لن يخرج عن طاعته. وهذا في كل حال ما كشفه السجال مع السفيرة الأميركية، فجبران عرض الانشقاق، وهو عرضٌ مراوغ من دون شك، والأرجح أن الثمن الذي طلبه هو أن يخلف حماه ميشال عون في الرئاسة، وهو ثمن يدرك باسيل أن شيا لا تستطيع دفعه، ويدرك أيضاً أن “حزب الله” يمكن أن يخوض معركة في سبيل تأمينه.

“حزب الله” سبق أن جاء بميشال عون رئيساً، وفي سجل هذا الأخير صولات وجولات في المحافل الدولية في سياق حشد المواقف ضد الحزب. صور ميشال عون إلى جانب ضباط إسرائيليين لم تحل دون تولي الحزب مهمة إيصاله إلى بعبدا، ولم يحد وجود عميل إسرائيلي مثل فايز كرم في حضن عون من حماسة الحزب للجنرال. فضيحة إطلاق سراح عامر فاخوري برعاية “التيار الوطني الحر” لم تفلت من عضد “التحالف” بين التيار والحزب. الأهم بالنسبة إلى “حزب الله” الطاعة، وهذه الأخيرة يبديها باسيل ومن خلفه حماه بسخاء كبير للحزب.

العرض الذي قدمه باسيل للانشقاق عن “حزب الله” غير واقعي. السفارة تدرك ذلك، وعلى الأرجح أنها لم تتعامل معه بجدية لأنها تعرف أنه غير واقعي. الانشقاق عن الحزب هو لحظة سياسية، لا عاطفية، ولم تحن بعد، وعندما تحين سيقدم عليها من هم أقرب إلى الحزب من باسيل. “حزب الله” أيضاً يعرف ذلك تماماً، ولهذا أبدى قدراً من السِعة المراوغة حيال ما سبق أن كشفته “ويكيليكس” من كلام مذهل، قاله أشخاص مثل محمد جواد خليفة وسليم عون ونجيب ميقاتي، وهؤلاء جميعهم خلفوا بالحزب يقيناً بأنه في غابة “ذئاب” إلا أنهم لا يقوون على الإتيان بما يشعرون.

وهنا تتبادر إلى الذهن حقائق عن جوهر الحقل العام في لبنان، فما يُمسك بالفعل السياسي في جمهورية الفساد والارتهان هذه، هو الخوف من قبضة الحزب الحاكم (حزب الله). الأخير هو من يقرر وجهة الفعل، وهو يتيح للأفرقاء أن يراوغوه طالما أنهم لم يخرجوا عن طاعته. والحزب أيضاً يدافع عن كارهيه المطيعين، فيما يتولى إعلامه تكذيب ما يكشفه السفراء من أسرار، ذاك أنه لا يرغب في الذهاب بما أُفشي إلى حدود الفعل الذي يستحق المحاسبة. “السفيرة كاذبة، وجبران لم يقل ما زعمت أنه قاله”، تماماً مثلما اكتفى حسن نصرالله بالقول إن الحزب لم تكن له يد في الإفراج عن عامر فاخوري، من دون أن يكشف للبنانيين من الذي أفرج عنه، فهو إذا كشف ذلك، سيملي ذلك موقفاً من الفاعل، في حين أن وظيفة التحالف معه تقتضي إخضاعه في مجالات أخرى.

“حزب الله” سلطة، إلا أنه سلطة مضطرة إلى تقديم تنازلات في حقول تعتبرها غير مهمة. عندما تشعر بأن باسيل يفاوض على الانشقاق، وأن شرط الانشقاق قد نضج، فإن التصرف حياله سيكون مختلفاً. الآن جبران باسيل معاقب، وهذه فرصة إضافية لتوظيفه في ماكينة السلطة في احتمالات “المواجهة” المقبلة، وهو، أي جبران، لن يجد اليوم غير “حزب الله” حضناً يراهن عليه لحفظ ما يمكن أن يُحفظ من مستقبله السياسي.

لعل أهم ما قالته السفيرة في تصريحها هو إشارتها إلى أن العقوبات لم تستهدف التيار العوني، إنما جبران باسيل. لهذه الإشارة أهمية تفوق أهمية كشفها عن عرض باسيل الانشقاق عن “حزب الله”، فهذا التمييز ينطوي على دعوة ستكون لها أصداؤها في البيئة العونية، وتتمثل في عدم التماهي مع الرجل المعاقب. والأميركيون يعرفون أن ما ذهب إليه جبران في خياراته، وما غرق به من فساد، ارتد على التيار العوني، وجاء انفجار المرفأ ليقضي على ما تبقى من ماء وجه رجال العهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق