تقارير

عودة اللاجئين السوريين… “فايك نيوز”؟

كتب مالك ونوس : كاتب سوري
قبل الدعوة إلى عودة اللاجئين، على روسيا والحكومة السورية التفكير في كيفية تثبيت المقيمين في البلاد، قبل دعوة سكان الخيم للانتقال من خيمهم خارج الحدود إلى خيمٍ داخل الوطن الذي يعزُّ عليهم دخوله بسبب مطالبته إياهم بدفع مئة دولار قبل أن يَتَنَسَّموا عليلَ هوائه.

قبل سنتين، وبعد توقُّف القتال في حلب الشرقية، والسماح للمواطنين بدخولها، ذهب أحد النازحين في مدينة ساحلية لتفقد منزله هناك لمعرفة إمكان عودته وعائلته إليها. وعند الوصول إلى مشارف المنطقة، تاه هو وسائق السيارة التي كان يستقلها، وأدرك من المعالم الطبيعية وبعض المباني المتبقية أنه تجاوز حيَّه من دون أن ينتبه إلى ذلك. وحين اتخذ من تلك المباني علامة تدله على حيه، وصل إليه فرآه وقد تدمَّر وسوِّيَت معظم أبنيته بالأرض. وبعد بحثٍ مضنٍ وحثٍّ للذاكرة، تأكَّد له أن البناء الذي كان يوماً منزله قد انهار وضاعت معالمه مثلما ضاعت معالم المنطقة كلها، فرجع والحزن يضني قلبه.

أتذكر هذه الحادثة وأنا أطالع دعوة وزارة الدفاع الروسية إلى تنظيم مؤتمرٍ دولي حول عودة اللاجئين السوريين، يُعقد في دمشق، أواسط تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ويناقش مسألة عودتهم إلى وطنهم. ومنذ آخر إعلان روسي لإنجازٍ مماثل، عام 2018، لم يتغير شيء على الأرض يمكن البناء عليه من أجل عقده، فلماذا تصرُّ روسيا على عقده في ظل الظروف غير المناسبة، بدلاً من إنضاج الظروف الموضوعية والذاتية، من استكمالٍ للحل السياسي وإعادة الإعمار، التي تساعد على عودتهم؟

 تبدو فكرة عودة اللاجئين سوريالية، ولا تعدو كونها فرقعة إعلامية تسلط الضوء على روسيا، فتظهر بمظهر الممسك بملفات البلاد، خصوصاً بعد فشلها في موضوع صياغة الدستور الجديد.

عام 2018، طرحت روسيا على الولايات المتحدة الأميركية مقترحاتٍ بشأن عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار وغيرها من دول العالم. ويومها نشَّط الروس عمل سفاراتهم في دول كثيرة للحصول على أرقامٍ دقيقة عن عدد اللاجئين السوريين فيها، تمهيداً لعودتهم إلى مراكز تجميع موقتة داخل سوريا. كما حصل كلام عن توصُّل الرئيسين الأميركي، دونالد ترامب، والروسي، فلاديمير بوتين، خلال لقائهما في هلسنكي، في تموز/ يوليو 2018، إلى نقاط اتفاق حول الأمر، وبرز طرح الطرف الأميركي بأن تكون العودة “وفق آلية طوعية”.

أما هذه الأيام فلاقت الدعوة إلى عقد المؤتمر انتقاداتٍ من دولٍ كثيرةٍ رفضت حضورَه؛ إذ دعا السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة الجميع إلى مقاطعته باعتباره غير ملائم وستكون له نتائج عكسية. كذلك أشار السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة إلى أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين هي من عليه التنطُّع لهذه الخطوة، وأكد على وجوب عدم تسييس قضيتهم. وعلى الرغم من ذلك يصرُّ الروس على التئامه، وربما في التاريخ المقرر، ولو بمن حضر.

في هذا السياق أورد حساب رئاسة الجمهورية السورية على الفيسبوك أن اجتماعاً عقده الرئيس السوري، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مع وفد روسي ضم مسؤولين من وزارتي الدفاع والخارجية وترأسه المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، وناقش الحضور حيثيات المؤتمر، ما يؤكد أن الروس لم يأبهوا لردود الفعل التي تلقوها، وهم ماضون في عقده. وكان لافرنييف ومرافقوه قد جالوا، قبل وصولهم إلى دمشق، على الأردن ولبنان لبحث المؤتمر مع مسؤولي هاتين الدولتين.

تأتي الدعوة إلى عقد المؤتمر في ظل أزمة معيشية غير مسبوقة تضرب سوريا ويرزح تحتها المواطن السوري. وبسبب ثقلها وغياب الأمل في إيجاد حلٍّ لها، بات جميع السوريين يفكرون بالهجرة وترك البلاد، فكيف سيفكر اللاجئون في العودة؟

ازداد هذا الميل لدى السوريين بعدما اقتنعوا باستحالة حصول انفراجةٍ في ظل حالة الجمود التي تعيشها البلاد، وانعدام استجابة السلطات السورية للتحديات التي تواجه المواطن. ويزيد من ثقل هذه الأزمة، غياب الأمل في إيجاد حلٍّ لها، وهو ما يؤكده عدم سعي روسيا لإدخال البلاد في طور الحل السياسي الذي وضعت الأمم المتحدة جدولاً لتنفيذه، تطبيقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254 حول المرحلة الانتقالية.

وإذا كان بعض أسباب نزوح السوريين وهجراتهم قد انتفى، فإن مخاطر عودة بعضهم، والمصاعب اللوجستية التي سترافق هذه العودة، وربما تحول دونها، لا تزال قائمة. وليس أقل تلك المصاعب سوى تدمير منازلهم وقراهم ومدنهم وامِّحاء آثار بعضها عن الخريطة. ويضاف هذا الأمر إلى الخشية التي عبَّر عنها بعضهم، من ملاحقتهم قضائياً أو أمنياً، إن عادوا. كذلك لا تغيب عن بالهم تجربة المصالحات المتعثرة في الجنوب السوري، وهو ما يحتِّم على راعي عودتهم التَّمعن أكثر في هذا الملف قبل الخوض فيه.

في هذا المجال، يطالب اللاجئون بضماناتٍ أمنيةٍ قبل عودتهم، وخصوصاً ما يتعلق باحتمال استدعاء الشباب منهم إلى تأدية الخدمة العسكرية، ومعاقبة من أُدرجت أسماؤهم ضمن قائمة الفارين من تأديتها. عام 2018 طالب اللاجئون ألا تكون عودتهم إلى مراكز تجميع، كما طرحت روسيا يومها، بل إلى منازل تحفظ كرامتهم، بعد سنواتِ الذل والعوز التي عانوها في مخيمات النزوح في دول الجوار، وهذا ما لم تكن قد وفَّرته روسيا والحكومة السورية يومها، ولا تسعيان الآن إلى توفيره. وإذا أخذنا بالاعتبار العامل اللوجيستي الخاص بالعودة، وعدد اللاجئين الضخم، 5.6 مليون لاجئ، نتبين أن الروس أنضجوا ملف اللاجئين السوريين وفق طريقتهم في طبخ الملفات السورية؛ وكان آخرها موضوع صياغة دستور سوري جديد، لم يرَ النور بعد سنوات من تشكيل لجنة لصياغته.

إذاً، ما الذي تريده روسيا من وراء الدعوة إلى عقد المؤتمر، خصوصاً بعدما اختبرت هذا الأمر سابقاً وفشلت؟ عام 2018 كانت لديها قضية شبه جزيرة القرم التي أدى ضم روسيا إليها إلى فرض الغرب عقوبات اقتصادية عليها. كذلك كانت تعاني من تبعات محاولة تسميم العميل المزدوج سيرغي سكريبال في بريطانيا، والذي تسببت قضيته باندلاع أزمة ديبلوماسية بينها وبين الغرب. اليوم تعاني استمرار العقوبات التي أهلكت اقتصادها، وهي تتجدد كل ستة أشهر، وقضية تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني الذي عولج في برلين وتهدِّد ألمانيا بفرض عقوبات إضافية على روسيا بسبب قضيته. لذلك ربما يتوسَّل الروس من إعادة إثارة قضية العودة الظهور بمظهر المهتم بتخفيف آثار لجوئهم عن كاهل الحكومات الغربية، فتعيد هذه الحكومات النظر في العقوبات. وانطلاقاً من عجزهم عن الخوض في مسألة إعادة إعمار سوريا مع الإيرانيين والصينيين، ربما يريدون جرّ الغرب إلى المشاركة في إعادة الإعمار لتهيئة الظروف المناسبة للعودة، وهو ما يرفضه الغرب في ظل غياب الحل السياسي، ويعدُّه محاولة لتعويم النظام.

لذلك تبدو فكرة عودة اللاجئين سوريالية، ولا تعدو كونها فرقعة إعلامية تسلط الضوء على روسيا، فتظهر بمظهر الممسك بملفات البلاد، خصوصاً بعد فشلها في موضوع صياغة الدستور الجديد. وتصر على عقد المؤتمر في وقتٍ يجد المواطن فيه صعوبةً في توفير رغيف الخبز لأبنائه، ويعاني من صعوبة في الوصول إلى عمله بسبب أزمة المحروقات، ويتوقف حائراً متسائلاً كيف سيواجه برد الشتاء الذي بات على الأبواب في ظل ندرة الكهرباء والمازوت والغاز المستخدم في التدفئة. لذلك وقبل الدعوة إلى عودة اللاجئين، على روسيا والحكومة السورية التفكير في كيفية تثبيت المقيمين في البلاد، قبل دعوة سكان الخيم للانتقال من خيمهم خارج الحدود إلى خيمٍ داخل الوطن الذي يعزُّ عليهم دخوله بسبب مطالبته إياهم بدفع مئة دولار قبل أن يَتَنَسَّموا عليلَ هوائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق