تقارير

كيف ينظر الأتراك إلى العرب؟

كتب خالد بشير : بحكم الجوار والاتصال المباشر، والتاريخ الطويل المشترك، وتقاطعات التاريخ السياسي تحديداً، اكتسبت النظرة المتبادلة بين العرب والأتراك، أهمية كبيرة على مستوى النخب والفضاء العام لدى الجانبين، وعادةً ما كانت مرتبطة ومتأثرة بالتصوّرات والرؤى التي تقدمها التيارات المختلفة وتحملها عن الهوية والثقافة والتاريخ.

اقترن بروز نزعة عداء العرب لدى الأتراك مع صعود النزعة القومية على مستوى النخبة التركيّة، وكان ذلك خلال القرن التاسع عشر، في وقت تصاعدت فيه القوميّات في أوروبا، ومن حول الدولة العثمانية؛ فبرزت قوميات عدّة في محيط الأتراك، من الروسيّة، إلى السلافيّة، إلى البلغاريّة، إلى اليونانيّة. دفع ذلك باتجاه تبلور وصعود القوميّة التركيّة، وظهرت فكرة إنشاء دولة قوميّة تركيّة، وبالتالي وجوب “تتريك” الأعراق المتعددة الموجودة داخل إطار الدولة العثمانيّة.

 

وبدأ هذا الاتجاه بالتجسّد في حركات منظّمة، كما كان في جمعية “تركيا الفتاة” التي ظهرت بين الطلاب العسكريين أواخر القرن التاسع عشر. ومن ثم تأسست جمعية “الاتحاد والترقي” عام 1906م لتعبّر عن التوجه ذاته، قبل أن تتمكن من اعتلاء الحكم على إثر انقلاب العام 1909م، ليتم بعدها تبني التتريك سياسةً رسميّة من قبل الدولة.

اقترن بروز نزعة عداء العرب لدى الأتراك مع صعود النزعة القومية على مستوى النخبة التركيّة

في المقابل تصاعد اتجاه “الثورة” بين العرب، وهو ما تحقق في الحرب العالمية الثانية، حين اختار الشريف الحسين بن علي استغلال ظروف الحرب والانحياز إلى جانب الحلفاء والوقوف إلى جانب بريطانيا في مواجهتها مع الدولة العثمانية، وتلقي الدعم منها. وجَدَ العرب المنخرطون في الثورة أسباباً كثيرة للخطوة التي اتخذوها، في حين اعتبرها الأتراك بمثابة خيانة صريحة لبلادهم، وباتت هذه الفكرة بمثابة صورة مكرسّة عن العرب سرعان ما تتبادر للتركي عند طرح السؤال عن صورة العربي. وقد كرسّ هذه الصورة المؤرخون الأتراك من الاتجاه القومي، أمثال: يوسف آق جورا، ويوسف ضياء، وسعدي مقصودي، ورشيد صفوت. كما تم ترسيخها في كتب المناهج الدراسيّة.

اعتبر الأتراك الثورة العربية بمثابة خيانة صريحة لبلادهم

اعتبر الأتراك الثورة العربية بمثابة خيانة صريحة لبلادهم

سبب للتأخّر
كما عند العرب، الذين ذهبت التيارات القومية والوطنية بينهم إلى ربط التأخر الحضاري بالأتراك والحكم التركي، فإنّ القوميين الأتراك، ومع صعود القومية العلمانيّة التركيّة المتشددة في عهد أتاتورك، ذهبوا إلى ربط سبب تأخّر الدولة العثمانية والأتراك إلى التأثر بالتراث الإسلامي الذي أخذه الأتراك ونقلوه عن العرب. وخلال مرحلة حكم أتاتورك (1923 – 1939م) أصبح هذا التيار في موقع الحكم، وشرعوا بإلغاء وحظر المظاهر الإسلاميّة من الفضاء العام، التي رأوها مرتبطة بالتأخر، من الحجاب والنقاب، إلى العمائم، إلى المدارس الدينية والمحاكم الشرعية والتكايا. وكان مفكرو القوميّة في ذلك متأثرين بالمذاهب الماديّة الغربيّة التي سادت وانتشرت في حينه، وبآراء استشراقيّة عن المسلمين تعتبر الثقافة الدينية علّة التخلف والجهل.

النتيجة المباشرة لهذه الصورة كانت الدفع باتجاه القطيعة مع كلّ ما هو مقترن بالعرب والثقافة العربيّة والإسلاميّة، فجرى استبدال الأبجديّة العربية باللاتينية، وتقرر جعل الأذان باللغة التركيّة.
كانت علمانيّة أتاتورك محاولة لإحداث القطع التام مع التراث الإسلامي المشترك مع الشعوب العربيّة والشرقية، مقابل مساعي “التغريب” والاتجاه كلياً نحو الثقافة والفكر الغربي. كل ذلك ساهم في خلق وتعميق الهوّة بين العرب والأتراك، وهو ما استمر أثره طوال عقود ممتدة بعد رحيل أتاتورك.

ساهمت الأتاتوركيّة في خلق وتعميق الهوّة بين العرب والأتراك

ساهمت الأتاتوركيّة في خلق وتعميق الهوّة بين العرب والأتراك

أصل الإسلام
كانت تلك بالتحديد رؤية التيار القومي العلماني، لكن كان هناك بالمقابل تيارات أخرى، حملت نظرة مغايرة للعرب، وبالتحديد التيارات الأكثر محافظة وتمسكاً بالموروث الإسلامي والهوية التركيّة التاريخيّة التي لا يمكن بحال فصلها عن المكونات العربيّة والإسلاميّة، وفق رؤية هذا التيار. فخلافاً للفرس، لم يكن للترك حضارات وأمجاد سابقة قبل دخولهم الإسلام، وكان الدين الإسلامي أساس توحيدهم واندفاعهم لتأسيس الدولة وتوسّعها. فمن هذا المنظور فإن الإسلام هو أساس تكوين الهوية والثقافة التركيّة، وبالطبع فإنه مقترن بالضرورة بالعرب والثقافة العربية واللغة العربية، فالعرب هم أهل الرسالة النبويّة، والعربية كانت اللغة الرسمية للمثقفين والعلماء الأتراك وبها وضعوا كتبهم على امتداد قرون. وقد تصاعد هذا التيار والرؤية التي يحملها تدريجياً خلال القرن العشرين، مع بداية ظهور وتأسيس أحزاب ذات خلفية إسلاميّة بدءاً من عقد السبعينيات، كحزب السلامة الوطني، ثم حزب الرفاه.
تبلور رؤية جديدة
رغم كل الجهود التي بذلت من قبل التيار الأتاتوركيّ في سبيل التغريب، وما اقتضاه ذلك من تصادم وقطع مع الموروث والتاريخ، إلا أنّ العائق جاء من حيث لم يكن متوقعاً، فقد كان الرافض هو الغرب ذاته، الذي أصرّ على استمرار رؤية تركيا باعتبارها الآخر، واستمر في عدم تقبل اعتبارها “دولة أوروبيّة”، وهو ما تبدى وظهر صراحةً مع وقوع أزمات سياسيّة حادّة، وتحديداً أزمة جزيرة قبرص عام 1974م، التي عانت فيها تركيا من مقاطعة وعزلة دوليّة، واختارت فيها الدول الغربيّة الانحياز للجانب القبرصيّ واليونانيّ، الأرثوذكسيّ. وتعزز الشعور بأنّ الغرب لا يريد تركيا عضواً أو شريكاً، وإنما دولة تابعة، يكون دورها محصوراً بأدوار وظيفيّة أمنيّة وعسكريّة. ومن ثم جاءت أحداث حرب البلقان في التسعينيات، وما رافقها من ازدواجية وتجاهل للمجازر بحق المسلمين، لتزيد من الشعور التركيّ بالاستهداف والرفض الغربيّ للمكون والهوية الإسلاميّة على حدودها وفي قلبها.
كما تصاعد الشعور بضرورة إحياء الهوية الإسلاميّة لتركيا بسبب الصراعات الداخلية، وخصوصاً الصدام المتصاعد خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات مع الأكراد، ما دفع لتعزيز الشعور بأنّ التمسّك بالقومية كان سبباً في إذكائه، وأنّ العودة للتعريف بهوية البلاد ومواطنيها بالإسلام هو الذي يؤدي إلى إخمادها.

بعد شعور تركيا بالعزلة، تبلورت رؤية العودة لتفعيل واستئناف التاريخ والتراث المشترك مع العرب

ترسخت القناعة شيئاً فشيئاً بأنّ غاية تغريب الثقافة والهوية التركيّة لم تتحقق، بل أنها وصلت لحالة من الارتباك؛ فلا تركيا أصبحت غربيّة، ولا هي ظلّت متصلة بتاريخها وموروثها. وتوّج هذا الشعور والتوجه بوصول قيادات سياسية جديدة حاولت إيجاد بوصلة وهوية جديدة لتركيا، تعيد إحياء وتوظيف الذاكرة والتاريخ والهوية التركية؛ وهو ما كان بداية مع الرئيس “تورغوت أوزال” (1989-1993م) الذي كان أول من تحدث عن “العثمانيّة الجديدة”، إلى صعود حزب “الرفاه” ذي الخلفيّة الاسلاميّة ومشاركته بالحكم خلال التسعينيات. ومن ثم وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002م. وتزامن ذلك مع التحوّلات على المستوى الدولي، ونهاية الحرب الباردة، وبحث تركيا عن أدوار جديدة لسياستها الخارجيّة.

كان الرئيس تورغوت أوزال أول من طرح فكرة "العثمانية الجديدة"

كان الرئيس تورغوت أوزال أول من طرح فكرة “العثمانية الجديدة”

شركاء لا أعداء
توجهت النخبة السياسية التركيّة الجديدة نحو إعادة تفعيل دور تركيا في العالمَيْن العربي والإسلامي، الذي تعرّض للتجاهل والإهمال منذ عهد أتاتورك، ما أفقد تركيا كثيراً من قدرتها على المناورة والتأثير في الساحات الدوليّة، وانتهى بتركها دولة معزولة كما حصل في أزمة جزيرة قبرص عام 1974م، وفق قناعة هذه النخبة.

اقرأ أيضاً: هل العثمانيون غرباء عن حضارة المشرق؟
كل ذلك عنى الدفع بمنظور جديد تجاه العرب، قوامه أنّ الأتراك والعرب تجمعهم “أخوّة الإسلام” وبينهم حضارة وتاريخ مشترك ممتد لقرون، ولا بد للعودة لتفعيل واستئناف هذا التاريخ، فهم شركاء لا أعداء. وانعكس هذا التوجّه على مستويات عديدة، فظهرت توجهات جديدة على مستوى الإعلام بدايةً من عقد التسعينيات، حيث بدأت مجموعة من الصحف التركية بمساندة القضايا العربية وتتعاطف معها، وهنا نشير إلى ما رصده الباحث العراقي إبراهيم الداقوقي، في صحف مثل: “زمان”، و”جمهوريت”، و”ميللي غازاته”، في كتابه “صورة العرب لدى الأتراك” (1996: 106-109).

توجهت النخبة السياسية التركيّة نحو إعادة تفعيل دور تركيا في العالمين العربي والإسلامي

توجهت النخبة السياسية التركيّة نحو إعادة تفعيل دور تركيا في العالمين العربي والإسلامي

ومع الألفية الجديدة، استمرت وتصاعدت خطوات التقارب مع العرب، والحرص على الوصول لهم، فدُبجلت المسلسلات التركيّة إلى العربية، وظهرت المنصّات الإعلامية والمواقع والصفحات التركيّة الناطقة باللغة العربيّة، وازداد عدد المنح المخصصة للطلبة العرب. في المقابل تصاعد الشعور العربي بهذه الاستدارة التركيّة، وتضاعفت أعداد العرب المهتمين بتركيا وإنتاجها، وانعكس ذلك مباشرةً في مستويات متابعة الدراما التركيّة، إلى أعداد العرب الذين يختارون تركيا وجهة لرحلاتهم السياحية، وحتى مستويات استهلاك البضائع والمنتج التركيّ، فشعر الأتراك بأنّ المنظور الجديد آتى أكله وأثمر، وكان أكثر نفعاً بكثير من الأتاتوركيّة وموروثها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق