تقارير

لا جدوى من العودة إلى الضاحية

كتبت حائرة سليم : اعتدت على الرفض، وأتقنت القفز خارج بوابة المدرسة الرئيسية، هرباً من الحصص الدينية والقصص المعتادة عن عذاب الضال وضريبة الصوت العالي. شاغبت عند السجود، فلم يكن حباً بالله بل تطفلاً على الساجدين إرضاء له.

كنت المجاهرة بالسلام على الصبية وليس على الرسول، فكنت المراهقة المكروهة بين زملائي على مقاعد الدراسة، تلك المقاعد الباردة في الشتاء والموحشة تزامناً مع العبادة. لا زلت “فتاة العيب” بنظرهم، من مارست هوايتها في الخلاص حين نكرت التزامها بالصلوات الخمس، وتغيبت عن القوانين المجدولة في المنهج التعليمي الخاضع لسلطة المحرّمات وبرّ الأئمة الاثني عشر.

أستعيد تلك الفقرة بعد اغتيال لقمان سليم، وعزلنا نحن الذين باغتناهم في عنادنا وصحوتنا وفعل الممنوع، بالضحك والاسترخاء أمام باحاتهم التي أدمنت القتل، وسلّحت أجيالها باليأس وفوضى الإيمان الخاضع والمخادع، يرون بأن الدنيا فانية حتى عند سلامها وهدنتها وطيب معشر ناسها.

نغار على لقمان وعلينا، أغار على ذاكرتي في الضاحية. رحلت عنها عندما هلك شجر الغاردينيا ودفنت جدتي. خالفت القتيل عندما هجرت الحديقة وورودها ورائحتها، خدعت لقمان برثائه فلم أعزي الدار وأهله، وخنت جدتي سابقاً ولم أشارك بحضور جنازتها، فأكملت رحلتي مع صديقي إلى البحر، للترفيه عن ذلك الموت القريب من شجر الغاردينيا، في حي سليم في حارة حريك. ابتعدت عن جنازة جدتي وعن الحي والعائلة عند المواقف الحرجة، فكنت أمام هيج من الأمواج، أحاول ألا أتذكر جدتي وسلة أطباق الغاردينيا المهدية منها. كنت أمام تقصيري وعجز قدميّ عن العودة إلى الضاحية مع كل هذه العتمة.

هذه الضاحية، بحفرتها الغوغائية، تحتل زاويتنا المنورة وأماكننا، تخطفنا وتصيب في تثبيت أجسادنا في ظلمتها، ولا تشيح عنا حتى عند مفترق الطرق. تلك الأماكن في الضاحية، كالتي ملكتها يدا جدتي، وصيت لقمان باختلافه ومعارضته للمقدس الدموي، الذي أقام الصلاة في موعدها، ولكن هذه المرة بكاتم صوت.

بعضنا يختار هجرة الأماكن لما فيها من حنين مستحيل، ولما فيها أيضاً من ماض يحمل ذاكرة الميتم من الصور الآمنة. تلك الصور لكم، حين تشعركم برغبة الاستسلام لأيام تجمعكم مع من تحبون وتألفون.

عندما زرت منزل لقمان في إحدى المرات، وبالصدفة كنت أتعثر بفاصل بيني وبين حديقة جدتي، كان الليل يغطي بياض شجر الغاردينيا، أما نعاسي وتثاؤبي فأغفلاني عن عطر أشمّه الآن بحذر، كيلا أشتاقه، فأعود إلى الضاحية التي زرعوا عند أسطح عماراتها حماماً يحلق فوق رؤوسنا، يراقبنا كظل القاتل الذي يحمل عصا يؤرجحها يميناً ويساراً، بانتظار مرض حمامة واثنتين تجعله عازماً على صرف تلك الرصاصة.

عند المبالغة في الحديث عن الضاحية كما يتمناها المعارض لهيمنة التطرف فيها، أتساءل لما كل هذا التعب والمخاطرة؟ لما كل هذا الرجاء والعمل في خلق شباك واسع، وإن يصلح بالنتيجة فهو للعبث بأرواحنا فقط، نحن المنفيين عنها؟

بعد وفاة جدتي عدت إليها، زرت حديقتها وقطفت طبقاً من الغاردينيا، اخترته صغيراً كيلا يذبل بسرعة عند بابها، ورغم ذلك لعله لم يصمد لوقت طويل. انتهكت حرمة المكان لأني دخلته سراً، ولكن لا بأس أحياناً من اقتحام الأماكن التي تؤلمنا، ولا ضرر في انتشال ذلك الطبق من قبل أحدهم، فأنا لست بتلك الشجاعة للحفاظ على إرث جميل في حارة حريك. عندما أعلن لقمان عدم انسحابه من الضاحية، رغم التهديد والتحريض والوعيد، كنت أقف بالقرب من منزله، شاهدة على هدم إرث جدتي وتحويله إلى بناء مزيف يشبه الضاحية بتلوثها وفوضاها.

أحسد لقمان على بقائه ولكنني لست مثله، لست هاوية حرب مفتوحة في قعر داري، لست البطلة. لا أريد العيش في ضاحية تملؤها صور محاربين أبطال، ولا أجد صورة الغاردينيا التي التقطتها بذاكرتي. أنا المفلسة تماماً كسقوط شجر الغاردينيا، واعتقال كل غريب عن الضاحية، وأنا الغريبة التي تخلت عن إرثها الوحيد هناك.

“حين يقتلون إنساناً فهم لا يأخذون منه كل ما يملك فحسب، بل ويأخذون منه كل ما يمكنه أن يملك في المستقبل”.

بعد الذهول أمام “محاصرة” لقمان وإعدامه دون رحمة، وكل هذا الحقد الذي أعطى لأحدهم فرصة المتعة بارتكابه تلك الجريمة، زادني يقيناً بأن فعل الخير الذي قدمته لنفسي أجده داخل كل “معارضة” مني.

والآن لا جدوى من العودة إلى الضاحية، فلا عودة للغاردينيا في الأماكن التي أرعبتها سيول الدم والموت. لن نستأذن القاتل في رعاية حديقتنا، لن نصبح ونمسي عليه ونحن نعلم بأن لتلك الرصاصة صدى، اخترق قبر جدتي.

 وداعاً لقمان…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى