تقارير

ماذا يفعل حزب الله في ناغورنو كاراباخ؟

فرض الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، حول إقليم ناغورنو كاراباخ، جملة من التناقضات السياسية، تجلّت في الكيفية التي جري بها التحلل من الولاء المذهبي، لجهة التحصل على مكاسب سياسية واقتصادية، بعيداً عن أُطر الانتماءات الدينية والمذهبية الضيقة، التي يتم التعويل عليها، فقط، عندما تعمل في صالح الأيديولوجيا التوسعيّة.

فرض الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، حول إقليم ناغورنو كاراباخ، جملة من التناقضات السياسية

وعليه توزّعت تحركات القوى الإقليمية تبعاً لمصالحها، ووفق حسابات سياسية اعتمدت على تجاهل الانحيازات الدينية والمذهبية، لدى كافة أطراف الصراع، حفاظاً على تأمين مواقع استراتيجية بعينها، تضمن في المقام الأول، تواصل ضخ الغاز من حقول القوقاز وبحر قزوين، وإزعاج واشنطن من جهة إيران، عبر الضغط على حلفائها في أذربيجان، بينما حاولت أنقرة تقليص الحضور الروسي، وتأكيد وجودها في الإقليم، الذي يمثل بالنسبة لها مجالاً حيوياً لا غنى عنه.

عوامل دعم إيران لأرمينيا

إيران التي تحمل لواء الدفاع عن المذهب الشيعي، الذي يدين به نحو 85 في المئة من سكان أذربيجان، اختارت الوقوف إلى جانب أرمينيا الكاثوليكية، ذلك أنّ التمدّد الأذري، المدعوم من تركيا، في منطقة بحر قزوين، سوف يؤدي بالضرورة إلى تهديد مصادر الغاز، التي تطمح طهران في الحصول عليها، في ظل وجود خلافات حادة بينها وبين وباكو، حول ترسيم الحدود البحرية.

إيران حاملة لواء الدفاع عن المذهب الشيعي الذين يدين به معظم سكان أذربيجان اختارت الوقوف إلى جانب أرمينيا

وعلى الرغم من توقيع معاهدة عدم اعتداء بين الطرفين في العام 2005، ووجود تفاهمات حول ملف الطاقة، دشنتها اتفاقية لاحقة لمد الغاز الإيراني إلى نخجوان الأذرية عبر خط أنابيب، إلا أنّ الثقة بين الطرفين تكاد تكون منعدمة، خاصّة بعد دخول أنقرة على خطوط الصراع، وسعيها نحو فرض هيمنتها على نظام إلهام علييف، الذي يجمعه بطهران تاريخ من التوتر الدائم، يرجع إلى انتهاج، علييف، سياسات موالية لواشنطن، وكذا احتضان باكو لفصائل المعارضة الإيرانية، في ظل تحلّل النظام الأذري من نظرية الوليّ الفقيه، وتطلعه لضم أذربيجان الجنوبية، الواقعة داخل الأراضي الإيرانية.

على الرغم من ظهور إيران بمظهر الوسيط المحايد في النزاع الأخير، إلا إنّ المسافات البينيّة التي تفصلها عن أرمينيا، أقل بكثير من تلك التي تباعد بينهما وبين أذربيجان، إذ تعتمد إيران على كهرباء محطة بمت سامور، النووية الأرمينية، وكذا تحصل على عائدات كبيرة من تصدير الغاز إلى يريفان، التي تحافظ، في نظر طهران، على توازن القوى في منطقة القوقاز، وتمثل حائط صد أمام التمدد التركي.

مع اندلاع الصراع في ناغورنو كاراباخ فتح حزب الله معسكراته لتدريب المتطوعين الأرمن

مع تجدد النزاع، وفي ظل تدخل أنقرة لصالح أذربيجان، أيقنت إيران أنّ اختلال موازين القوى في البلقان، يمثل خطراً على مصالحها، فقررت التدخل بشكل غير مباشر، وبصورة لا تتعارض مع معاهدة عدم الاعتداء الموقعة مع باكو، ومن ثم توجهت طهران نحو أذرعها المليشياوية في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، لأداء هذا الدور الوظيفي، والذي تمرس فيه إبان الحرب الأهلية السورية.

حزب الله اللبناني ذراع إيران في المنطقة

عقب وصول الأوامر من طهران، عمد حزب الله إلى استغلال تناقضات السياسة اللبنانية، والعزف على أوتار التفاهمات الطائفية، حيث لعب بورقة الأرمن، حيث سهّل تفاهم مار مخايل، حصول حسن نصر الله، على دعم من حزب الطاشناق، أكبر أحزاب الأرمن في لبنان، ومع اندلاع الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، قامت عناصر حزب الله بفتح معسكراتها لتدريب المتطوعين الأرمن، قبل إرسالهم إلى خطوط القتال في ناغورنو كاراباخ، حيث قدّرت تقارير عدد المتطوعين الأرمن، المنضوين تحت قيادة حزب الله بحوالي، ستة آلاف مقاتل.

قدّرت تقارير عدد المتطوعين الأرمن المنضوين تحت قيادة حزب الله بحوالي ستة آلاف

ونشط عملاء حزب الله في عملية تجنيد الأرمن، في منطقة برج حمود، بالضاحية الشرقية لبيروت، والتي يقطنها نحو 150 ألف لبناني من أصول أرمينية، واعتمد حزب الله على توظيف الذاكرة التاريخية المؤلمة لاضطهاد الأرمن، ووضع المحنة الإنسانية في خدمة المشروع الإيراني بالقوقاز، فلا أحد يمكنه إنكار ما تعرّض له الأرمن من مذابح على يد الأتراك في الماضي، أو ينكر ما اقترفته المليشيات الأذرية في حقهم، في الوقت الحاضر، لكنّ التوظيف السياسي للأزمة، جرى بمنتهى الانتهازية، ما يضع المزيد من علامات الاستفهام حول الطابع الوظيفي لمليشيات حزب الله، وحقيقة الأدوار التي يلعبها لتخريب الداخل اللبناني، وتكريس الخطاب الطائفي، لصالح السياسية الإيرانية في المنطقة.

عمد حزب الله إلى إيقاظ الخطاب الطائفي لدى الأرمن اللبنانيين، وقام وحده بجهد مركزي، من أجل ترتيب عمليات التجنيد والتدريب، في الوقت الذي تحفظت فيه معظم الأحزاب والجمعيات الأرمينية على الانخراط المباشر في عمليات الحشد والتعبئة، حيث أكّد، سيفاك أغوبيان، رئيس حزب، الرامغافار الأرميني، في تصريحات لــ”الشرق الأوسط” إنّه “لا يوجد إطار منظم عن طريق الأحزاب الأرمينيّة في لبنان، تدعو أو تجند أو تنظم ذهاب شبان لبنانيين من أصول أرمينية، للمشاركة في القتال”، وكذلك نفى حزب الطاشناق قيامه بالدعوة إلى تجنيد الأرمن في لبنان.

 وحدها مليشيات حزب الله، شرعت في تجاهل كل قيم المواطنة، لتستدعي هذا الخطاب الطائفي، الذي استغلت فيه محنة الأرمن، ما يساعد على تقويض المزيد من مبادئ الانتماء الوطني في لبنان، ويبدو أنّ التحركات الفجة للحزب أزعجت قيادات حزب الطاشناق، حيث لفت، هاغوب بقرادونيان، الأمين العام للحزب، إلى أنّ أرمينيا “ليست بحاجة إلى شباب من دول يتواجد فيها الأرمن، للتوجه إليها والتطوع في الجيش، ولا نيّة لدى الأحزاب الأرمينية لإرسال شبان، ولا يوجد أيّ عمل تنظيمي في هذا السياق”.

عمد حزب الله لإيقاظ الخطاب الطائفي لدى الأرمن اللبنانيين وقام وحده بجهد مركزي لترتيب عمليات التجنيد والتدريب

هذا وقد أكدت تقارير ميدانية، سقوط عدد من اللبنانيين قتلى، على خطوط المواجهة في ناغورنو كاراباخ، من بينهم مغني الأوبرا اللبناني الشهير، كيفورك حاجيان، وذلك بحسب إذاعة يركير الأرمينية، كما أفادت تقارير من جبهة القتال بسقوط أربعة لبنانيين، على الأقل، قبيل وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى عدد من الجرحى.

يمكن النظر إلى الحدث من أكثر من زاوية، فمن جهة يواصل حزب الله انفصاله عن قضايا لبنان، مبتعداً عن جملة الشعارات الوطنية الرنانة، وأدوار المقاومة التي ادعى طويلاً اضطلاعه بها، لينخرط بالقتال بالوكالة عن إيران، ومن جهة أخرى تسقط كل أكاذيب إيران بشأن استقلالية حزب الله عن سياساتها ومعاركها في الإقليم، كما ينكشف الدور الطائفي الذي يلعبه فصيل، بات أبعد ما يكون عن إدراك مفهوم المواطنة، حيث يعمل باستمرار، لا لتكريس نزعته الطائفية فحسب، وإنّما على إيقاظ الطائفية عند شتى الطوائف، لإشعال النار هنا وهناك، كأي مليشيا تتغذى وتعيش على استمرار الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق