تقارير

من قتل الياس خوري؟

كتب حازم الامين : الياس خوري، الفتى الذي تعرفنا إليه من الصور التي حملتها أمه الثكلى، الأم التي خلف الانفجار في وجهها جروحاً رحنا نسقطها على وجوهنا، نحن الذين لم يشطب الانفجار وجوهنا على رغم اقترابه من أرواحنا.

كررت والدة الياس خوري، الفتى الذي قضى في انفجار مرفأ بيروت، مرة ثانية أن ابنها ليس شهيداً، بل ضحية، وأن ثمة من قتله، وأنها ستُمضي ما تبقى من عمرها بحثاً عن قاتل ابنها. فقد مضى شهران على الجريمة ولم يظهر أي شيء من التحقيقات! الجريمة التي وعد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مواطنيه اللبنانيين بأن يكشف لهم هويات المتسببين بها، بعد أسبوع على وقوعها. في الأمس، توجه أهالي قتلى الانفجار المئتين إلى مكان وقوع الجريمة، وأبلغوا السلطات أنهم سينتظرون هناك اتصالاً من مسؤول يبلغهم فيه أين أصبحت التحقيقات بقضية مقتل أبنائهم، لكن تمساحاً واحداً لم يتصل، وأمضى سكنة القصور الرئاسية عشية يوم الأحد هانئين بالغنائم التي سرقوها من رعايا جمهورية الموز والفيول أويل.

الضحية الياس خوري

الياس خوري، الفتى الذي تعرفنا إليه من الصور التي حملتها أمه الثكلى، الأم التي خلف الانفجار في وجهها جروحاً رحنا نسقطها على وجوهنا، نحن الذين لم يشطب الانفجار وجوهنا على رغم اقترابه من أرواحنا. الياس الضحية، والياس فقيدنا، لم يكن يستحق رئيساً من بين هؤلاء الرؤساء الذين حملتهم الطائرة إلى الكويت ليقدموا واجب العزاء بوفاة أميرها، هم الذين لم يكلفوا أنفسهم بذرف دمعة يرطبون بها وجه أم الياس الثكلى. الرؤساء الثلاثة الذين لم يشعروا بضرورة الاتصال بأهالي القتلى المئتين الذين انتظروا عشية يوم الأحد (4 تشرين الأول/ أكتوبر) اتصالاً.

نحن حيال 200 قتيل يريد أهلهم معرفة من قتلهم. ونحن حيال ستة آلاف جريح يريدون معرفة من حاول إخراج أرواحهم من أجسامهم. ونحن أيضاً حيال 30 ألف عائلة تريد معرفة من دمر منازلها. هذه حصيلة أولية بعد شهرين من وقوع الانفجار. كل هذه الحصيلة لا تفيد في سياق محاولة تحريك مشاعر ركاب الطائرة الرئاسية المتوجهة إلى الكويت لمواساة شعبها بأميره. لكن هل تذكرون حقيقة أن رئيساً واحداً لم يشعر بواجب تقديم العزاء والمواساة؟ قد يكون هذا التوقع رمزياً ولا قيمة عملية له، فمن مات قد مات، لكن لعدم حصوله دلالة كبيرة، منها شعور القاتل بصعوبة أن يقف بين يدي ضحيته، وأن يمشي وراء نعشها.

لكن جردة الحساب لا تقف عند حدود القتلى والجرحى والأحياء المنكوبة. فالانفجار الهائل خلف دماً، لكنه خلف أيضاً ارتجاجاً هائلاً وصدعاً عميقاً أصابا علاقة اللبنانيين بالمكان الذي يأوون إليه في أيامهم وأمسياتهم. الياس خوري صار علامة فشلنا في إقناع مجايليه من أبنائنا بأن لبنان بلد يستحق أن نواصل عيشنا فيه. يقول لك ابنك أنظر إلى صورة الياس، أليس هذا الوجه الذي تتمناه لي، من حرم أمه منه، حرمني من الشعور بالأمان. ثمة من قتله، وقتل 200 معه. ليست هذه وقائع افتراضية، بل هي نقاش يومي نخوضه مع أبنائنا بعد مقتلة المرفأ. يريدون مغادرة لبنان فوراً، ونحن إذ لا نقوى على مغادرتهم لا نملك من الحجج واحدة لإقناعهم.

“لن ينال أحد عقابه”، قال لي ابني، وهو من عمر الياس، في سياق محاججتي بضرورة المغادرة. علي أن أقنعه إذاً بما لا أملك من حجج! كيف؟ الخطوة الأولى في هذه المهمة الصعبة هي المحاسبة. استرداد بعض الشعور بالأمان يقتضي أن يشعر أهل الضحايا والجرحى بأن ثمة من سيحاسَب. السلطة لن تقدم على هذه الخطوة، فمن غير المنطقي أن تحاسب نفسها. رئيس الجمهورية لا يريد توقيع كتب عزل بعض المسؤولين في المرفأ إلا إذا كانت مراعية التوازن الطائفي. رئيس الجمهورية غير معني بإقناع جيل الياس خوري بالبقاء في جمهوريته. نحن، أهلهم، معنيون ببقائهم، وعلينا خوض معركة أم الفتى الضحية لكشف القتلة… من أجل أبنائنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق