الأحدثتقارير

هذا ما حصل مع بري وعون ونصرالله !

مرتان على الأقل، خلال السنوات الثلاث الماضية، كان الحديث عن تراجع دور رئيس مجلس النواب نبيه برّي أو انتهائه يأخذ مداها في الحيّز السياسي العام في لبنان، المرّة الأولى عند انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، والمرة الثانية بعد إندلاع الإنتفاضة الشعبية في ١٧ تشرين ٢٠١٩.

عند الحدث الأول، وقف بري ضد إنتخاب عون لكنه لم يستطع عرقلته. سار النظام اللبناني بتسوية من دون برّي كان قطبها الشيعي “حزب الله” مع ما عناه ذلك من دلالات، اضافة الى كون عون في الأصل ضد منظومة الطائف ومن خارجها وهذا وحده يعطي إيحاء واضحا على تراجع المنظومة بكاملها وعلى تقدم ثنائي “التيار الوطني الحر” – “حزب الله” عليها، وبما أن بري راعي الطائف وحاميه الأول والأقدر داخل النظام والصيغة، فإن كثرا وصلوا الى استنتاج بأن دور برّي انتهى، وأن عون العائد الى بعبدا مع تحالفاته المتشعبة يومها سيحجم دور بري وقد ينهيه. هذه السياسة وهذه هي التوازنات.

واذا كان هناك من شكك بهذه النظرية عند الحدث الأول، فإنه سلّم بها عند إندلاع انتفاضة تشرين، لم يكن مهماً يومها الحديث عن إنهيار المنظومة الحاكمة بقدر الإجماع الشعبي والنخبوي عن تهّشم نبيه بري. قيل ان القدر الذي تضرر به بري ادى الى تشظي “حزب الله”، وان حامي المنظومة السياسية الاساسي ودينامو الحياة السياسية يتلقى الضربات في الشارع المنتفض، وانه لن يستطيع حتماً حماية النظام كما فعل عام ٢٠١٥.

للإنصاف، هذا كان واقعاً او أقل هذا كان ظاهراً للعيان، هجمات سياسية متكررة من قبل المتظاهرين، وسعي لكسر هالة برّي الشخصية، وإلتفاف كامل على صيغ الحكم السابقة والدعوة الى حكومة اختصاصيين من غير سياسيين وتعطيل عمل المجلس.

في الأيام الأخيرة، خرج برّي منتصراً. تخطى الحدثين معاً، انتخاب عون والحراك الشعبي، وعادت عين التينة محجة لزعماء لبنان والمحرك السياسي للصيغة اللبنانية يفصلها كما يشاء ويستفيد من تطوراتها السياسية. خطوات عديدة قام بها رئيس المجلس النيابي مكنته من استعادة المبادرة بشكل شبه كامل. هو اليوم الأب الفعلي لحوار يحصل شكلياً في بعبدا. من كان يتصور أن يرضى ميشال عون بدور شكلي؟

لنعد قليلاً الى الوراء، احتوى بري الحراك الشعبي وابتعد عن الاعلام قدر الإمكان، ساعدته الظروف فضعف الحراك بعدما اضعف خصمه الأشرس في الدولة، ميشال عون ومن معه. اعتمد بري سياسة الصمود ووضع خطوط حمر منها عين التينة، واستعمل شارعاً مضاداً، وإن بطريقة مقننة، ويقال انه مؤخراً افتعل الشغب لضرب الحراك وتهشيمه في فترة ضعفة الكبرى لمن يكفي ان يكون بري استطاع استغلال هذه الأحداث وتوظيفها حتى لو لم يكن قد افتعلها. وحده من بين القوى السياسية الممثلة في الحكومة وزّر حزبياً صريحاً كاسراً مطالب الحراك. أنجح جلسات مجلس النواب واعطى الثقة للحكومة مؤمناً النصاب من خصومها…

كانت تلك أولى بوادر عودة برّي. في الاسابيع الماضية بدأ بري حركة سياسية هائلة، مكنته من الظهور مجدداً راعي النظام والدولة ومنقذه. بات بري حاجة لجبران باسيل وميشال عون الراغبين بحد أدنى من انجاح العهد او اقله عدم انتهائه الى كارثة، يقال إن له اليد الطولى من خلف الكواليس في مصالحة وليد جنبلاط بميشال عون، وانه انهى الحديث عن اسقاط الحكومة بعدما بدأه هو. بري نفسه يكاد ينجح بما فشل به “حزب الله” بات راعياً لمصالحة تُعد بين حليفه سليمان فرنجية وخصمه جبران باسيل. جلب وليد جنبلاط الى “حزب الله” واقام تسوية بينهما. قدم العروض لسعد الحريري ولا يزال يقدم، لا ليعود الأخير لرئاسة الحكومة بل ليكون جزءا من تسوية كبرى على المدى البعيد.

برّي هو النظام، يرتبه كيفما شاء. يمنع اقالة رياض سلامة ويذهب الى تسوية يتبناها هو من داخل قصر بعبدا. ليس سهلاً من دون معنى ان يأخذ برّي على عاتقة مسؤولية خفض الدولار، وهو يعلم انه لن ينخفض. بري يعدّ للتسوية الداخلية ويريد أن يكسب وقتا. تسوية بين النظام وبين “حزب الله”. ولن يكون مستغربا ظهور اجماع داخلي او حد ادنى منه على التوجه شرقاً. هذه حصة هذا النظام من التنازلات ليحافظ على استمراره.

للمرة الاولى منذ ١٧ تشرين، يختفي الحديث عن الحراك الشعبي وعن موقفه وعن رأيه. بات هزيلاً، فيما الأنظار في عين التينة، حيث يجمع بري الزعماء ويدعوهم الى قصر بعبدا. إلتف بري على الحراك، الذي يعتبر البعض انه أنتهى في صيغته الحالية. قد يخرج حراك آخر قريباً او بعد فترة. لكن برّي انتصر في هذه الجولة، هذا واضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق