الرئيسية » آخر الأخبار » واصف عواضة يودع “تلفزيون لبنان”

واصف عواضة يودع “تلفزيون لبنان”

كتب الإعلامي واصف عواضة على صفحته في فايسبوك كلمة وداع معلناً مغادرة تلفزيون لبنان بعد سنوات من العمل ناهزت الثلاثين سنة وجاء في الكلمة :

السبت 8 شباط عام 2020 ..
هو ليس يوما عاديا في حياتي .. ليس لأنه يوم ميلادي الرابع والستون ،بل لأنه اليوم الذي أودّع فيه منزلي الثاني ،تلفزيون لبنان ،بعد 37 عاما بالتمام والكمال ،لبلوغي السن القانونية.
حقيقة لا أعرف كيف اترجم شعوري الحزين وأنا أعبر الى مرحلة التقاعد من المؤسسة التي صرفت فيها نحو ثلثي عمري، وعشت فيها ذكريات صنعت نجاحاتي وإخفاقاتي .عزائي الوحيد ان الصحافي لا يتقاعد إلا ساعة الأجل.
ما زلت أذكر جيدا ذلك اليوم الذي اقتحم حياتي عندما ولجت أول مرة باب محطة تلفزيون لبنان في الحازمية عام 1983 .كان يوما مفعما بالغبطة والتوتر معا .انا الشاب الممتلئ حيوية،ابن السابعة والعشرين ربيعا ،الذي كان قد حلم ذات يوم قبل عشرين سنة،عندما شاهد التلفزيون في ضيعته اول مرة ،ان يعتلي صهوة الشاشة مذيعا لنشرة الأخبار،كما يفعل جان خوري وكميل منسى وجمال عباس وإيلي صليبي وعرفات حجازي وغيرهم من نجوم الأخبار في الستينات . ولكن أنّى لإبن ذلك المزارع البسيط ان يحقق هذا الحلم الذي كان في مرتبة الأوهام .


ذات يوم ربيعي من العام 1983 ،وكنت قد امتهنت الصحافة ،سألني المذيع المعروف الزميل والصديق فؤاد الخرسا إن كنت أرغب بالانضمام الى اسرة تلفزيون لبنان ،المحطة الوحيدة العاملة في البلد.
سألت عن طبيعة العمل فقال: مذيع محرر.


كانت المرة الأولى التي يطلب فيها تلفزيون لبنان مذيعين محررين عن طريق الاختبار العلني والمباراة .قال لي فؤاد :تقدم لهذه التجربة .لن تخسر شيئا.
وبالفعل لم أتوان عن هذا الطموح الذي كان في خاطري ضربا من المستحيل في غياب الوساطة التقليدية في بلد كلبنان.لكن الرياح جرت بعكس ما كنت أتوقع .تقدمت للاختبار امام الكاميرا من بين نحو مائة شخص ،وكنت بين أربعة مقبولين لهذه الوظيفة:الزملاء الياس الزغبي وجورج غانم ورعد الهاشم وأنا.لكن الاختيار الأخير رسا على الياس وعليّ لأسباب لا مجال لذكرها اليوم ،ولا علاقة لها بالكفاءة والمهنية مع العلم أن التلفزيون كان بحاجة للمرشحين الأربعة.
هكذا بدأت مسيرتي في تلفزيون لبنان في العاشر من آب عام 1983 .وطوال 37 عاما كان تلفزيون لبنان أبعد وأكبر بكثير من مكان العمل بالنسبة لي .ثمة علاقة حميمة جدا ربطتني بهذه المؤسسة، كافية لأن أضعها في مرتبة منزلي الثاني.فتحت سقفها عشت أجمل وأقسى أيام حياتي ،ونسجت من خلالها علاقاتي مع مختلف شرائح المجتمع اللبناني ،مسؤولين وسياسيين وإعلاميين وموظفين وأناسا عاديين ،وبنيت شخصيتي التي أدعي صادقا أنها تميزت بالتواضع على قاعدة الآية الكريمة:”ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا”.


خلال 37 عاما طفت في طول الأرض وعرضها ،من شرقها وشروقها الى غربها ومغربها ،وكان تلفزيون لبنان معي بمثابة جواز السفر.
من سور الصين شرقا الى شلالات نياغارا وشواطئ كاليفورنيا وهوليوودها غربا، ومن الكرملين وساحاته الى البيت الأبيض وحدائقه، ومن قبب الفاتيكان ومتاحفه الى رحاب ايران ومدنها المقدسة،ومن أهرام الجيزة وسد اسوان ومعابد الأقصر وآثار الفراعنة الى قصور تايلند القديمة وروائعها ،ومن شوارع باريس ومعالمها التاريخية الى روما ولندن وعواصم أوروبا الضاربة في الحضارة ،ومن صحراء سيناء الى المغرب العربي الى مجاهل إفريقيا وغاباتها وتقاليدها ،ومن ضفاف دجلة والفرات الى شواطئ النيل العظيم،وغيرها وغيرها من بلاد الله الواسعة .وحدها القدس بقيت وتبقى في خاطري وخاطر تلفزيون لبنان .


تحت سقف هذه المؤسسة عشت كل حروب البلد ،وانهالت القذائف والحمم فوق رأسي ورأس زملائي.ومن خلال شاشتها رتلنا نشيد المقاومة والتحرير ،مثلما عشنا ظروف البلد القاسية ،وكنا شهودا على الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وعمليات النهب المنظم والصفقات المشبوهة التي أوصلت البلد الى ما نحن فيه اليوم.


اليوم أودع تلفزيون لبنان ،تاركا فيه جزءا مني لا أعرف كيف يمكن أن استعيده .أغادر هذه المؤسسة وهي ليست للأسف في أوج أوضاعها ،حالما بنهوضها من جديد .حسبي أنني لن أوفر جهدا من أجل قيامتها من جديد ،وإن كنت خارج هيكلها الوظيفي ،متمنيا لزملائي ورفاقي الذين أحببتهم جميعا ومن دون حساب ،وافر الآمال بمستقبل أفضل.
تحية صادقة الى زملاء عشت معهم وبينهم لنحو أربعة عقود من عمري،أحببتهم جميعا من دون استثناء،وتعلمت منهم الكثير ،وحاولت أن أبسط عليهم خبرتي مما تعلمت.وأرجو أن يسامحني كل من يعتقد أنني ارتكبت بحقه خطأ غير مقصود ، مهما كان بسيطا.
وداعا تلفزيون لبنان ..مع كل الحب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*