الرئيسية » رصد » أول وزير لبناني يدخل السجن !

أول وزير لبناني يدخل السجن !

شاهي برصوميان، وزير ببيجاما مخطّطة في حجرة في سجن روميه. هذا ما علق في أذهان اللبنانيين. وعلق معها صورة أخرى للوزير نفسه موثّق اليدين يدخل قصر العدل. فاسد اعتقلته السلطة في 4 آذار 1999 بتهمة اختلاس المال العام من خلال بيع الرواسب النفطية. تحوّل إلى “مضرب مثل” القصاص من الفاسدين. عاد إلى ذاكرة الجميع مع انطلاق ثورة 17 تشرين، فور رفع شعاري استرجاع المال المنهوب ومحاكمة الفاسدين. بتلقائية أعاد الشعاران إلى الذاكرة صورة برصوميان مقيّداً على باب سجنه.

لا شيء آخر في مخيّلة اللبنانيين. فهذا كل ما فعلته السلطات المتعاقبة على مستوى مكافحة الفساد منذ اتّفاق الطائف. أوقفته، سجنته، حاكمته على مدى 11 شهراً و9 أيام و4 ساعات. ثم برأته. وفعل البراءة أتى متأخراً، في تموز 2005، كأن لا قيمة له. هو فاسد بريء؟ السلطة مجرمة تركت فاسداً حراً طليقاً. بريء حاكمه فاسدون؟ سلطة فاسدة لاحقته ودمّرت حياته عن غير حق. كل ذلك يقودنا إلى نتيجة واحدة: السلطة فاسدة!

“ابن كندرجي”
شاهي برصوميان (مواليد 2 نيسان 1952) حائز على إجازتين في الحقوق اللبنانية والفرنسية، عضو في حزب الطاشناق، عيّن نائباً عام 1991 وفاز بالتزكية نتيجة المقاطعة المسيحية عام 1992. تولّى مناصب وزارية في خمس حكومات بين أعوام 1992 و1998 منها الشؤون الاجتماعية والصناعة والنفط. لكن قبل كل هذا هو “ابن كندرجي”، كما يقول، “خسر عمله في شارع المعرض عام 1961، فاهتم شقيقه البكر بشؤون العائلة”. عمل أخوه في بيع الأحذية في شارع الحمرا، أسس محلاً ثم معملاً وبات للعائلة مورد رزق وافر وفروع عدة في الأسواق البيروتية. قبل دخوله البرلمان كان يملك 8 سيارات، “واليوم لم أعد أملك هذا العدد”. لم يكن بحاجة إلى المال، “الحمد لله” يقول، ولا اليوم أيضاً. فيعيش من مكتب محاماة يديره من دون أن يمارس المحاماة. فهو محام لم يستطع الدفاع عن نفسه! كفرّان يشتهي الرغيف. حالة أخرى من واقع “ليه أمشي حافي وأنا منجّد مراكيبكم” لبيرم التونسي، بما فيه من ظلم وبؤس الحال.

الحلقة الأضعف
سقط اسم شاهي برصوميان ضحية للسلطة السياسية. جاء عهد الرئيس إميل لحود وفي سلّم أولياته “قطع يد السارق”. كان عهداً مبشراً سرعان ما زالت جرعته التفاؤلية بانكشاف اليد العسكرية والأمنية التي تحكمه. ويعتبر برصوميان أنّ المنظومة اللبنانية-السورية التي أدارت البلد حينها “كانت تحمل حقداً على العهد السابق، أرادوا تقييد الجميع بدءاً من الرئيس الهراوي ومنعه من الاستمرار في الحياة السياسية، ومروراً بالرئيس رفيق الحريري وكل الزعامات الأخرى”. فقرّر العهد تنفيذ كل ذلك بدءاً من ملفات الفساد. في وزارة النفط التي تولّاها، المليارات القادرة على جذب جمهور الصحافة والمطالبين بالقصاص وتجسيد صورة الإصلاح في العهد الجديد. كان برصوميان الحلقة الأضعف. تخلّت عنه قيادة الحزب وقتها لأسباب وصراعات داخلية. تركته الطائفة وحيداً وتخلّى عنه كل الأصدقاء والحلفاء. بات بلا غطاء وأصبح عرضة للاغتيال المعنوي نتيجة الكثير من الأسباب.

حسابات كثيرة
يقول برصوميان “لا اعتقد أن قبلي أو بعدي، وصل وزير من أصول أرمنية لبناني بقدري، كان ذلك سبباً إضافياً للنيل مني”. ولكن قبل كل هذا، كان اسم برصوميان يرتفع في عهد الرئيس إلياس الهراوي، حتى قيل مرة إنّ “شاهي قد يشكّل لائحة المتن في الانتخابات”. طبعاً هذا أزعج الكثيرين، وأولهم زعماء المتن. إضافة إلى أنّ علاقته بالقيادة السورية لم تكن تمرّ عبر القنوات الأمنية اللازمة. كان يزور سوريا والضباط السوريين وفق السيناريو العام المعتمد، لإيصال رسالة أو تلقّي أخرى. كجميع السياسيين. لكن “العين كبرت” وتناسب الظرف مع “قطع الرؤوس السياسية” في ظلّ كيدية العهد الجديد. فتم الأمر ودخل إلى السجن بتهمة بيع الرواسب النفطية. أما قصة الأخيرة فواضحة. يوضح برصوميان إنّ “الدولة كانت تشتري الفيول من التجار اللبنانيين، فنفذت مشروعاً لشراء الفيول مباشرة من دون وساطة التجار”. فأصدر قراراً لتنظيف الخزانات اللازمة، وقامت الوزارة ببيع الرواسب لملء الخزانات بالمادة الجديدة وحفظها لصالح الوزارة والدولة. لكن المتضرّرين من قرارات الوزارة قرّروا الثأر، فتقدّم أحدهم وهو سعدي غندور (شركة بتروترايد التي تتعاطى استيراد وبيع النفط) بإخبار إلى النيابة العامة المالية بتاريخ 2/2/1999 بحق برصوميان. وجاء في خلاصته أن “وزارة النفط أقدمت خلال تولي شاهي برصوميان مهام وزارة النفط على بيع نفط خام مخفف تحت ستار أنه رواسب نفطية، الأمر الذي أدى إلى هدر بالأموال العامة…”. فأتى رأس برصوميان على طبق من فضّة. وبالحديث عن المتن، هل يوجد من في السلطة يذكر ملف الكسّارات؟ ملف استملاك الأراضي وإعادة بيعها للدولة؟ ملف المحرقة؟ النفايات؟ التوتر العالي؟ لا يأتي شاهي على ذكر كل هذا، لكن الإشارة إليها في الحسابات المتنية ضرورة.

قضاء العسكر
وفي هذا الطبق وصفة متكاملة أذاقت برصوميان وعائلته المرّ. فالنظام الأمني، كغيره، جنّد ماكيناته. يؤكد برصوميان أنّ الحملة بدأت عليه في الإعلام، “في جريدة النهار تحديداً”. جاءت لتتماشى مع الكيدية السياسية والحقد السياسي، ليأتي “الإخبار” بعدها ويتبّلها. فطُبّق العهد الطبخة وحصل ما حصل. علق اسم برصوميان بالفساد وهدر الأموال وبات عبرةً للآخرين. أي آخرين؟ لم يدخل أحد غيره السجن أساساً! يقول إنّ “قضيتي كانت سياسية وملفي كان فاضياً، وبيجوا اليوم فلاسفة وبيجيبوا قضيتي على لسانهم، خلي واحد منهم يجي يتحاكم قدام القضاء”. العطب في القضاء والنظام والتركيبة. “لو كان الجسم القضائي عادلاً وبعيداً عن السياسة، كان مثل إجري أن يحاسبني العدلي أو مجلس محاكمة الرؤساء الوزراء. ما كان في عدل، كانت السلطة العسكرية والأمنية هي القضاء”. ويضيف، أنه لو كان فعلاً فاسداً “أين كانت الأجهزة الرقابية للدولة طوال سنوات”؟ ويجيب “اتّكلت السلطة على إخبار من شخص متضرّر من سياستي النفطية ليدخلوني السجن”. أدخل قرار استيراد النفط من الدولة “50 مليون دولار للخزينة على مدى ستة أشهر”. لكن لا أحد يرى ذلك، ولم يكرّر أي وزير ذلك… فالعبرة لمن اعتبر.

رد الاعتبار
في السجن رسم عضو الجيش الأحمر الياباني، ماسو أداتشي، برصوميان. لا يزال الأخير يحتفظ بهذه اللوحة في مكتبه. في تلك الأشهر التي أمضاها في روميه، حوّل الوزير المتّهم زاوية مهملة متروكة للنفايات إلى حديقة. نظّفها وزرعها بشتول، وأصبحت لاحقاً مادة مرسومة. أول ما قام به فور خروجه من السجن كان زيارة قبر والدته “التي منعوني من حضور دفنها”. اليوم، هو يرسم ويلوّن ويعمل على بعض الأعمال الفنية من لوحات أو حتى زجاج معشّق. بعد عشرين عاماً على سجنه، لا يجد ما يقوله عن ذلك. نال البراءة، كبر، وانتهى الموضوع. لكن ردّ اعتباره لا يزال منقوصاً، تماماً كبراءته المنقوصة. يقول إنه يمشي في الشارع مرفوع الراس “وفي الساحات لا يزال الناس يحترمونني”. لكن الأمر الوحيد الذي يعيد له الاعتبار بالكامل “أن أعود إلى الحياة السياسية، ليس نيابياً، على الأقل على مستوى الوزارة لأثبّت البراءة والتأكيد على أنها محقّة”. لو قُدّر له وتولّى وزارة “فقط لساعتين، آخذ الصورة التذكارية وأترك استقالتي وأنا خارج من القصر الرئاسي”. يؤكد أنه غير لاهث وراء منصب أو دور سياسي ويكفيه ما عاناه. يشير إلى أنه “لم يحتفظ يوماً بسجل للخدمات التي قدّمها للسياسيين لمقايضتها بأخرى”. عمل ما عليه أن يقوم به، لم يدخل الزواريب السياسية اللبنانية وقد يكون ذلك ما أدفعه الثمن.
يقول شاهي برصوميان، الوزير المتّهم بالفساد الذي نال براءته من السلطة نفسها التي سجنته، إنه خُذل من الجميع. “لست نادماً على شيء، مبسوط بما قمت به، مبسوط بما أنا عليه وجبيني مرفوع”. قصة برصوميان، يتيمة السلطة في مكافحة الفساد، كُتبت بأسلوب فاسد. تؤكد أنّ هذه السلطة لا يمكن أن تحاسب. وإن قرّرت المحاسبة، فحساباتها سياسية لا دخل لمحاربة الفساد فيها ولا المصلحة العامة ولا واقع الناس وأموالهم. هذه السلطة لا يمكن أن تجرّم، وبالتالي لا يمكن أن تبرّئ. “كلن يعني كلن”، يقولها برصوميان أيضاً، ولو أنه غير متفائل بإمكانية النجاح بمحاكمة الفاسدين قبل تطهير القضاء واستقلاليته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*